صحفية ألمانية تروي رحلة الاعتقال في سوريا.. من الزنازين المعتمة إلى التشكيك برواية “الدولة الآمنة”

بينما تواصل الحكومة السورية الانتقالية الحديث عن إعادة بناء مؤسسات الدولة وترسيخ الاستقرار، تعود الصحفية الألمانية إيفا ماريا ميشلمان لتفتح ملفاً مختلفاً؛ ملف الزنازين التي تقول إنها تنقلت بينها لأشهر، والنساء اللواتي تركتهن خلف الأبواب الحديدية، في رواية تعيد إلى الواجهة الأسئلة التي لم تغادر المشهد السوري حول واقع الاحتجاز والسجون.

وفي مقطع مصور نشرته عقب عودتها إلى ألمانيا، استعرضت ميشلمان تفاصيل اعتقالها داخل سوريا، قائلة إنها تنقلت بين عدة مراكز احتجاز في حلب وإدلب ودمشق، قبل أن تنجح جهود دبلوماسية ألمانية في تأمين إطلاق سراحها وترحيلها إلى بلادها.

عزلة كاملة داخل مراكز الاحتجاز

بحسب روايتها، بدأت رحلة الاعتقال داخل مقر قيادة الأمن الداخلي في مدينة حلب، حيث احتجزت في غرفة مغلقة بلا نوافذ، ومنعت من التواصل مع العالم الخارجي.

وتقول إن القائمين على احتجازها أبلغوها بأن السلطات الألمانية لا ترد على الاستفسارات المتعلقة بهويتها، ما دفعها للاعتقاد بأن أحداً لم يعد يعلم بوجودها، وأن العالم ربما تعامل معها بوصفها شخصاً اختفى إلى الأبد.

لاحقاً، نقلت إلى سجن آخر في حلب، قالت إن التحقيقات فيه كانت تجرى باستخدام التعذيب، دون أن تؤكد تعرضها شخصياً لأي تعذيب.

من إدلب إلى دمشق… نساء خلف الجدران

بعد ذلك، انتقلت ميشلمان إلى سجن للنساء في إدلب، حيث تمكنت للمرة الأولى من التواصل مع معتقلات أخريات.

وأشارت إلى أن عدداً كبيراً من النساء المحتجزات هناك كن قد اعتقلن قبل وصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة أواخر عام 2024، في إشارة إلى استمرار احتجازهن رغم التحولات السياسية التي شهدتها البلاد.

لكن المشهد، بحسب روايتها، ازداد قسوة بعد نقلها إلى دمشق.

هناك، تقول إنها تنقلت بين ثلاثة سجون مختلفة، والتقت داخل أحدها بخمس عشرة امرأة، معظمهن من الطائفة العلوية، محتجزات داخل غرفة ضيقة ذات جدران متآكلة، بينما كانت جميع النساء يتقاسمن فراشين فقط قرب الباب، رغم أن كثيرات منهن أمضين أشهراً رهن الاحتجاز.

وفي سجن آخر، تحدثت عن وجود نساء برفقة أطفال رضع، بعضهم لم يتعلم المشي بعد، مضيفة أن أكثر ما يؤلمها اليوم ليس تجربة اعتقالها الشخصية، بل أولئك الذين ما يزالون داخل السجون.

وقالت: حين يسألني أحد كيف أصبحت الآن، أقول إن قلبي ومشاعري وأفكاري بقيت مع المحتجزين هناك.”

انتقاد مباشر للحكومة الانتقالية

ولم تقتصر تصريحات الصحفية الألمانية على سرد تجربتها الشخصية، بل وجهت انتقادات مباشرة للحكومة السورية الانتقالية.

وقالت إن النظام الذي تقوده هيئة تحرير الشام “لن يصبح ديمقراطياً بأي شكل من الأشكال”، معتبرة أن سوريا لا تزال بلداً غير آمن، وأن اللاجئين الحاصلين على الحماية في ألمانيا يجب ألا يجبروا على العودة أو الترحيل القسري.

كما طالبت بالإفراج عن جميع المعتقلين في سوريا، وفي مقدمتهم الصحفي أحمد بولاد، الذي كان برفقتها عند اعتقالهما في كانون الثاني/يناير 2026، خلال فترة المواجهات بين القوات الحكومية و”قسد”.

روايتان… وقصة واحدة لم تُحسم

في المقابل، كانت وزارة الخارجية الألمانية قد أعلنت في نيسان/أبريل الماضي نجاحها في التواصل مع ميشلمان بعد التأكد من احتجازها لدى السلطات السورية، قبل أن تنجح الوساطة الدبلوماسية في إطلاق سراحها خلال حزيران/يونيو الماضي.

أما الرواية الرسمية السورية، فقد جاءت مختلفة تماماً.

وقالت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الخارجية السورية آنذاك إن المعلومات المتوافرة لديها تشير إلى أن ميشلمان شاركت إلى جانب قوات “قسد” في عمليات عسكرية بمحافظة الرقة، وإنها أوقفت برفقة أحد كبار عناصر حزب العمال الكردستاني (PKK) بعد دخولها الأراضي السورية بصورة غير مشروعة، وإقامتها لفترة طويلة في مناطق كانت خارج سيطرة الدولة.

وأضافت أن السلطات السورية استجابت في نهاية المطاف للطلبات الألمانية، ووافقت على ترحيلها إلى بلادها.

السجون تعود إلى الواجهة

تعيد شهادة ميشلمان، بصرف النظر عن الجدل الذي يحيط بملابسات اعتقالها، ملف السجون السورية إلى واجهة النقاش من جديد، في مرحلة تحاول فيها الحكومة السورية الانتقالية تقديم نفسها باعتبارها بصدد بناء مؤسسات جديدة وإعادة إنتاج صورة مختلفة للدولة.

غير أن شهادات المعتقلين، وتقارير المنظمات الحقوقية، واستمرار الحديث عن حالات احتجاز لا تحاط بما يكفي من الشفافية، تجعل هذا الملف واحداً من أكثر الملفات حساسية، وتضع الخطاب الرسمي أمام اختبار لا تحسمه البيانات، بقدر ما تحسمه الوقائع على الأرض، والإجابات التي ما تزال تنتظرها آلاف العائلات عن مصير أبنائها، داخل سجون لا يزال كثير مما يجري فيها خارج دائرة الضوء.

 

اقرأ أيضاً: اختفاء الصحفية الألمانية إيفا ماريا ميشلمان في سوريا: الروايات والسيناريوهات

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.