قرار تصدير 400 طن من اللحوم يشعل الجدل في سوريا وسط أزمة معيشية خانقة

في ظل أزمة اقتصادية خانقة تعيشها سوريا، تتجلى آثارها في تدهور العملة المحلية وارتفاع أسعار السلع الأساسية وشح المواد الغذائية، يبرز قرار السماح بتصدير 400 طن من اللحوم الحمراء إلى الأردن كخطوة مثيرة للجدل.

القرار فاجأ الشارع وأثار تساؤلات واسعة، خصوصاً أن شريحة كبيرة من المواطنين باتت عاجزة عن شراء كيلوغرام واحد من اللحوم، ما يضع علامات استفهام حول مفهوم “الفائض” في بلد يعاني من نقص حاد في الغذاء، ويطرح تساؤلات موازية حول جدوى تصدير المواد الأساسية مقابل استمرار استيراد الكماليات.

هل يوجد فائض فعلاً؟

يثير قرار التصدير تساؤلاً جوهرياً حول وجود فائض حقيقي من اللحوم في السوق السورية.

فوفقاً للخبير الاقتصادي عدنان العبود في حديثه لـ”963+”، فإن مفهوم الفائض يفترض أن يكون ناتجاً عن إنتاج يفوق حاجة السوق المحلية، إلا أن الواقع في سوريا يعكس صورة مغايرة تماماً، حيث تعيش شريحة واسعة من السكان تحت خط الفقر وتعاني من صعوبات كبيرة في تأمين الغذاء.

ويشير العبود إلى أن العلاقة بين الأسعار وسعر صرف الدولار تضع الاقتصاد في حالة هشاشة مستمرة، إذ ترتفع تكاليف الإنتاج الزراعي بسبب الاعتماد على مستلزمات مستوردة كالأعلاف والأدوية البيطرية والمحروقات، في حين لا تواكب الأجور هذا الارتفاع، ما يؤدي إلى تقلص القدرة الشرائية للأسر.

وفي هذا السياق، يرى أن تصدير 400 طن من اللحوم، بغض النظر عن مبرراته، سيشكل ضغطاً إضافياً على سوق يعاني أصلاً من ضعف العرض وارتفاع الأسعار، حيث إن كل كمية تُصدّر تعني انخفاضاً في المعروض المحلي وارتفاعاً إضافياً في الأسعار.

تأثيرات متسلسلة تطال موائد الفقراء

لا يقف أثر القرار عند حدود اللحوم الحمراء، بل يمتد ليشمل باقي السلع الغذائية. ويوضح العبود أن انخفاض المعروض من اللحوم سيدفع المستهلكين نحو البدائل الأرخص مثل الفروج، ما يزيد الطلب عليه ويرفع سعره بدوره، خاصة أن قطاع الدواجن يعاني أصلاً من ارتفاع تكاليف الإنتاج.

ويضيف أن هذه السلسلة من التفاعلات قد تؤدي إلى موجة غلاء مضاعفة، تجعل حتى البدائل الغذائية خارج متناول الفئات الفقيرة.

ويؤكد أن ما يجري ليس مجرد قرار تصدير عابر، بل يعكس غياب منظومة متكاملة لإدارة الموارد الغذائية، سواء من حيث ضعف شبكات الأمان الغذائي أو غياب التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، إضافة إلى تضارب الأولويات الاقتصادية التي تميل، بحسب وصفه، إلى خدمة الفئات الأكثر قدرة مالياً على حساب الشريحة الأوسع من المجتمع.

رواية حكومية: دعم للمربين وتأمين للقطع الأجنبي

في المقابل، دافع مصدر حكومي فضل عدم الكشف عن اسمه عن القرار، مؤكداً لـ”963+” أن كمية الـ400 طن مدروسة ولن تؤثر على السوق المحلية، وأن الهدف منها دعم المربين الذين يواجهون ارتفاعاً في تكاليف الأعلاف، إضافة إلى تأمين سيولة مالية ورفد خزينة الدولة بالعملة الأجنبية في ظل تراجع قيمة الليرة السورية. وأوضح المصدر أن التصدير يقتصر على ذكور الأغنام والماعز، في محاولة للحفاظ على الثروة الحيوانية.

الأسواق المحلية: اللحوم خارج متناول الغالبية

ميدانياً، تعكس الأسواق صورة مختلفة تماماً عن الحديث الرسمي. ففي جولة على أسواق دمشق وريفها، يتراوح سعر كيلوغرام لحم الغنم بين 180 ألفاً و220 ألف ليرة سورية، في حين لا يتجاوز متوسط الرواتب الحكومية نحو 1.2 مليون ليرة، ما يعني أن كيلو اللحم الواحد قد يعادل نحو 15% من راتب الموظف.

ويقول أبو محمود، وهو موظف متقاعد، إن شراء اللحوم لم يعد خياراً مطروحاً، مضيفاً أن الكثيرين باتوا يكتفون بشراء العظام أو الدهن لإضفاء نكهة على الطعام، معتبراً أن قرار التصدير سيؤدي حتماً إلى ارتفاع إضافي في الأسعار.

من جهتها، تشير ليلى الشامي، وهي موظفة حكومية، إلى أن اللحوم أصبحت حلماً، وأن حتى الفروج الذي كان بديلاً مقبولاً بدأ يخرج عن القدرة الشرائية، محذرة من أن أي زيادة جديدة ستجعل الخيارات الغذائية شبه معدومة.

أما أم خالد، صاحبة مشروع صغير، فترى أن ما يُسمى بالفائض هو في الواقع نتيجة ضعف القدرة الشرائية، حيث يتراكم المنتج لدى التجار بسبب عجز المواطنين عن شرائه، ليُعاد تصديره بدلاً من دعم السوق المحلية. ويؤكد أحد القصابين في سوق المرجة أن الإقبال تراجع بنسبة تصل إلى 85%، مشيراً إلى أن البيع بات مقتصراً على شريحة محدودة، وأن تقليص المعروض عبر التصدير سيؤدي إلى رفع الأسعار بشكل حتمي.

بدوره، يحذر تاجر الجملة أحمد العلي من أن القرار قد يدفع الأسعار للارتفاع بنسبة تتراوح بين 20 و30% خلال أسابيع، مع توقع انتقال موجة الغلاء إلى سوق الفروج نتيجة زيادة الطلب عليه.

مفارقة التصدير والاستيراد

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي سعد الخضر في حديثه للموقع نفسه أن القضية تتجاوز مسألة اللحوم، لتكشف خللاً عميقاً في أولويات التجارة الخارجية السورية، يتمثل في تصدير مواد غذائية أساسية مقابل استيراد سلع كمالية. ويطرح تساؤلاً محورياً حول جدوى تصدير غذاء نادر في بلد يعاني من انعدام الأمن الغذائي، في حين تُستنزف العملة الصعبة على استيراد منتجات غير أساسية.

ويعتبر الخضر أن تصدير 400 طن من اللحوم ليس مجرد رقم، بل مؤشر على نمط اقتصادي يحتاج إلى مراجعة جذرية، مشدداً على أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بكيفية تصدير الفائض، بل بأسباب وجود هذا الفائض في بلد يعاني غالبية سكانه من صعوبات في تأمين الغذاء. ويرى أن توجيه الموارد نحو تلبية احتياجات المواطنين يجب أن يكون أولوية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

ويختم بالتأكيد على أن استدامة الاقتصاد وتحقيق العدالة الاجتماعية لا يمكن أن يتحققا عبر تصدير الغذاء في وقت يعاني فيه المواطنون من نقصه، بل من خلال إدارة رشيدة للموارد تضع تأمين الاحتياجات الأساسية في مقدمة الأولويات.

 

اقرأ أيضاً:موازنة سوريا 2026 في مرمى النيران: وعود فلكية واصطدام مرير بالواقع الاقتصادي

اقرأ أيضاً:قرار مشروبات دمشق: تنظيم للآداب العامة أم رصاصة في جسد الحريات والاقتصاد؟

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.