خفض سعر الفيول الصناعي في سوريا.. دعم للإنتاج أم خطوة محدودة الأثر؟
أعلنت وزارة الطاقة السورية خفض سعر طن الفيول الصناعي من 475 دولاراً إلى 400 دولار، في خطوة قالت إنها تهدف إلى دعم الصناعة الوطنية، وتقليل أعباء تكاليف الإنتاج، وتعزيز قدرة المنتج السوري على المنافسة في الأسواق المحلية والخارجية.
وجاء القرار في ظل ظروف اقتصادية تواجه فيها المنشآت الصناعية ارتفاعاً في تكاليف التشغيل والطاقة والنقل، وسط تساؤلات حول مدى قدرة هذا التخفيض على التأثير في أسعار السلع النهائية، وما إذا كان سينعكس بشكل مباشر على المستهلك، أم سيبقى أثره محصوراً في تحسين ظروف الإنتاج.
وقال وزير الطاقة السوري محمد البشير، في منشور عبر منصة “إكس”، إن تخفيض سعر الفيول الصناعي يأتي “انطلاقاً من الحرص على دعم الصناعة الوطنية وتعزيز تنافسية المنتج السوري”، موضحاً أن الهدف هو تخفيف تكاليف الإنتاج على الصناعيين وتشجيع استمرار دوران عجلة الإنتاج بما ينعكس على السوق والمستهلك.
وفر في تكاليف الإنتاج لا انخفاض مباشر في الأسعار
يرى اقتصاديون أن تأثير خفض سعر الفيول على أسعار المنتجات يرتبط بنسبة مساهمة الطاقة في التكلفة الإجمالية لكل قطاع صناعي، إذ تختلف هذه النسبة بين صناعة وأخرى.
وقال الباحث في الاقتصاد والطاقة الدكتور مصعب شبيب إن تكلفة الطاقة تمثل عادة ما بين 20 و40 بالمئة من إجمالي تكاليف الإنتاج في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الإسمنت والحديد ومواد البناء، وذلك بحسب طبيعة الصناعة وكفاءة خطوط الإنتاج.
وأوضح شبيب أن انخفاض سعر طن الفيول بمقدار 75 دولاراً قد يوفر مبالغ مهمة لبعض المنشآت الصناعية، لكنه لا يعني بالضرورة انخفاضاً مماثلاً في أسعار المنتجات النهائية.
وضرب مثالاً بمعمل متوسط لصهر وإعادة تدوير الحديد في مدينة حسياء الصناعية، ينتج نحو 5 أطنان يومياً ويستهلك طناً واحداً من الفيول، مشيراً إلى أن القرار الجديد قد يخفض فاتورة الوقود لديه بنحو 75 دولاراً يومياً، أي ما يقارب 2250 دولاراً شهرياً.
واعتبر أن هذا الوفر، رغم محدوديته مقارنة بإجمالي النفقات التشغيلية، قد يمنح المنشآت الصناعية مساحة مالية تساعدها على تحسين هامش الربح، أو زيادة الإنتاج، أو تخفيف الضغوط المالية التي تواجهها.
متى ينعكس التخفيض على الأسواق؟
رغم أهمية القرار بالنسبة للقطاع الصناعي، يستبعد خبراء حدوث انخفاض سريع وملحوظ في أسعار السلع، بسبب وجود عوامل متعددة تتحكم في الأسعار النهائية.
وأوضح شبيب أن انتقال أثر انخفاض تكاليف الطاقة إلى الأسواق يحتاج عادة إلى فترة تتراوح بين شهر وشهرين في القطاعات سريعة الدوران، وقد يمتد إلى ثلاثة أو أربعة أشهر في الصناعات التي تعتمد على مخزون سابق أو عقود توريد طويلة الأجل.
وأشار إلى أن هذه المدة ليست قاعدة ثابتة، خصوصاً في الاقتصاد السوري الذي يمر بمرحلة انتقالية تتسم بارتفاع مستوى عدم اليقين.
وأضاف أن أي تغيرات في أسعار النفط عالمياً، أو اضطرابات إقليمية، أو ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، أو تقلبات سعر الصرف، قد تؤثر في سرعة انتقال انخفاض تكلفة الفيول إلى المستهلك، وربما تقلل من أثره.
ولفت إلى أن المنتجين والتجار ما زالوا يتعاملون بحذر نتيجة ما وصفه بـ”ذاكرة الحرب الاقتصادية”، حيث يميل البعض إلى الاحتفاظ بهوامش أمان مالية تحسباً لأي تغيرات مفاجئة، إضافة إلى ضعف أدوات المنافسة ومنع الاحتكار، ما يحد من انتقال انخفاض التكاليف بسرعة إلى الأسعار.
هل يساعد القرار في خفض التضخم؟
مع استمرار الضغوط التضخمية في سوريا، تبرز تساؤلات حول دور تخفيض الفيول في ضبط ارتفاع الأسعار.
ويرى شبيب أن القرار يمثل خطوة إيجابية لتخفيف أعباء الإنتاج، لكنه لن يكون كافياً بمفرده لمعالجة التضخم، باعتبار أن ارتفاع الأسعار في سوريا مرتبط بعوامل متشابكة تراكمت خلال السنوات الماضية.
وأوضح أن تعدد العملات المستخدمة في السوق، بما فيها الليرة السورية القديمة والجديدة والدولار الأمريكي والليرة التركية، أدى إلى تشوهات في عمليات التسعير، وزيادة فرص المضاربة، واختلاف الأسعار بين المناطق.
كما أشار إلى أن عدم استقرار أسعار المحروقات وتقلبات سعر الصرف يدفعان بعض المنتجين إلى التسعير وفق توقعاتهم المستقبلية وليس وفق التكلفة الحالية فقط.
وبيّن أن انخفاض تكلفة إنتاج سلعة معينة لا يعني بالضرورة انخفاض سعرها للمستهلك، إذ يمكن أن تؤدي عوامل أخرى، مثل ارتفاع تكاليف النقل أو زيادة أسعار المواد الأولية المستوردة، إلى إلغاء أثر هذا الانخفاض.
وأكد أن معالجة التضخم تحتاج إلى إجراءات أوسع تشمل استقرار سعر الصرف، وتحسين بيئة التداول النقدي، ووضع سياسة واضحة لتسعير الطاقة، وتعزيز المنافسة في الأسواق.
الهدف الأساسي: استمرار الإنتاج وليس خفض الأسعار فقط
وبحسب شبيب، فإن الهدف الرئيسي من تخفيض سعر الفيول الصناعي لا يتمثل بالضرورة في خفض أسعار المنتجات مباشرة، وإنما في منح الصناعيين مساحة أكبر للاستمرار وزيادة الإنتاج.
وأوضح أن الوفر الناتج عن انخفاض سعر الفيول يمكن أن يستخدم في تطوير خطوط الإنتاج، أو صيانة المعدات، أو زيادة السيولة، أو توظيف عمال جدد، بدلاً من انتقاله بشكل مباشر إلى أسعار البيع.
وفيما يتعلق بقدرة القرار على منح المنتج السوري ميزة تنافسية أمام المنتجات المستوردة، رأى شبيب أن خفض سعر الفيول وحده لا يكفي، مشيراً إلى أن المنافسين في دول مثل تركيا يعملون ضمن بيئات إنتاج أكثر استقراراً، تشمل تمويلاً أقل تكلفة، وطاقة مستقرة، وسلاسل توريد أكثر انتظاماً.
واعتبر أن دعم الصناعة السورية يحتاج إلى حزمة متكاملة من الإجراءات تشمل استقرار أسعار الطاقة، وخفض تكاليف النقل والخدمات اللوجستية، وتسهيل الحصول على المواد الأولية والتمويل.
استقرار آلية التسعير أهم من ثبات السعر
وحول إمكانية استمرار سعر الفيول عند 400 دولار للطن، قال شبيب إن السعر من المرجح أن يبقى خاضعاً للمراجعة وفق ظروف السوق، خاصة مع تشكيل وزارة الطاقة لجنة لتسعير المحروقات.
وأوضح أن الصناعيين لا يطالبون فقط بسعر منخفض للفيول، بل يحتاجون إلى آلية تسعير واضحة وشفافة تمكنهم من التخطيط للإنتاج وتقدير التكاليف.
وأشار إلى أن استقرار الصناعة لا يعتمد على رقم محدد للسعر بقدر اعتماده على وضوح السياسات الاقتصادية وقابلية التنبؤ بها.
تأثيرات تمتد إلى النقل والخدمات
ورغم أن التأثير المباشر للقرار يطال القطاع الصناعي، فإن انعكاساته قد تمتد إلى قطاعات أخرى مرتبطة بالإنتاج.
وأوضح شبيب أن الاقتصاد يعمل ضمن سلسلة مترابطة، فزيادة نشاط المصانع تنعكس على شركات النقل، ومستودعات التخزين، وورش الصيانة، وموردي قطع الغيار، وخدمات التأمين والمحاسبة.
وأشار إلى أن أي وفر تحققه منشأة صناعية قد يتحول إلى استثمارات إضافية في المواد الأولية أو التوسع بالإنتاج، ما يرفع الطلب على الخدمات المرتبطة بها ويخلق حركة اقتصادية أوسع.
وبحسب شبيب، فإن الأثر الحقيقي لخفض سعر الفيول سيظهر عندما يصبح جزءاً من سياسة اقتصادية متكاملة تهدف إلى تنشيط الإنتاج الصناعي، باعتبار أن تعافي الصناعة لا ينعكس داخل المصانع فقط، بل يمتد إلى مختلف القطاعات المرتبطة بها.
اقرأ أيضاً:وزارة الطاقة السورية تخفض سعر طن الفيول الصناعي 75 دولاراً