المناهج التعليمية في سوريا: تعديلات الكتب المدرسية وصراع الهوية الثقافية بعد سقوط الأسد
لم تعد تعديلات المناهج التعليمية في سوريا مجرد إجراءات فنية لتحديث الكتب المدرسية أو إزالة رموز النظام السابق، بل تحولت إلى قضية تتعلق بالهوية الوطنية والذاكرة التاريخية والتعدد الثقافي، وبالجهة التي تملك حق تحديد ما يتعلمه الطلاب عن بلدهم ومجتمعهم.
فمنذ أواخر عام 2024، شهدت المناهج السورية تعديلات شملت النصوص والصور والمصطلحات في مواد التاريخ والتربية الدينية والعلوم والفلسفة، قبل أن يتسع النقاش خلال عام 2026 ليشمل تمثيل النساء والفنون ومفاهيم المواطنة والمشاركة السياسية.
وبينما تسعى السلطات الانتقالية في دمشق إلى توحيد المناهج التعليمية في مختلف المحافظات بعد سنوات من الانقسام، تبرز تساؤلات حول معايير التعديل، ومدى مشاركة الخبراء والمعلمين والمكونات الثقافية في صياغة الكتب الجديدة، وما إذا كانت هذه التغييرات تؤسس لتعليم يعكس تنوع المجتمع السوري أم تعيد تشكيل الهوية الوطنية وفق تصور واحد.
تعديلات المناهج السورية بعد سقوط الأسد: من إزالة الرموز إلى إعادة صياغة المعرفة
مثّل حذف صور عائلة الأسد وشعارات النظام السابق وعلمه من الكتب المدرسية خطوة في اتجاه إنهاء حضور الدعاية السياسية المباشرة في التعليم، بعد عقود من ارتباط المناهج برواية السلطة الحاكمة.
لكن التعديلات التي أعلنتها وزارة التربية في مطلع عام 2025 تجاوزت إزالة الرموز السياسية، لتشمل موضوعات ومصطلحات في مواد متعددة، من بينها التاريخ والتربية الدينية والعلوم والفلسفة.
وفي الوقت نفسه، أعلن الوزير المعني آنذاك أن المناهج ستبقى على حالها إلى حين تشكيل لجان مختصة لمراجعتها، وهو ما أثار تساؤلات بشأن طبيعة التغييرات التي جرى الإعلان عنها، وحدود الصلاحيات المعتمدة في تنفيذها.
وتكشف هذه المرحلة أن إصلاح التعليم في سوريا لا يتعلق فقط بتحديث المحتوى الدراسي، بل أيضا بتحديد المعايير التي تحكم اختيار المعرفة المقدمة للطلاب، والتمييز بين إزالة الدعاية السياسية وإعادة صياغة المناهج وفق توجهات أيديولوجية جديدة.
فالمناهج المدرسية تؤثر في فهم الأجيال للتاريخ والمجتمع، وتحدد الشخصيات والأحداث والقيم التي تحظى بمكانة مركزية في الذاكرة الوطنية.
الهوية الوطنية في المناهج السورية: هل يكفي حذف رواية النظام السابق؟
تحتاج مراجعة المناهج السورية إلى إعادة تقييم الطريقة التي يُعرض بها تاريخ البلاد، والتأكد من أن الكتب تتيح للطلاب التعرف إلى الوقائع من مصادر متعددة، بدلا من اختزال التاريخ في رواية تخدم شرعية سياسية محددة.
لكن إزالة الرواية التي فرضها النظام السابق لا تعني بالضرورة بناء رواية أكثر شمولا وعدالة. فعندما تُحذف موضوعات تتعلق بحضارات ما قبل الإسلام، أو شخصيات تاريخية، أو نظريات علمية، من دون تقديم تفسير تربوي واضح، تبرز تساؤلات حول الأسس التي استندت إليها قرارات الحذف.
ولا تتوقف أهمية هذه المسألة عند المعلومات التي يتلقاها الطالب، بل تشمل أيضا ما يُستبعد من الكتاب المدرسي. فاختيار الأحداث والشخصيات التي تستحق الدراسة، مقابل تهميش غيرها، يسهم في رسم حدود الذاكرة التاريخية التي تنتقل إلى الأجيال الجديدة.
لذلك، يتطلب إصلاح المناهج اعتماد معايير معلنة، تميز بين الحقائق التاريخية والتفسيرات السياسية أو الدينية، وتتيح للطلاب فهم تعدد الروايات التاريخية وتقييمها استنادا إلى الأدلة.
كما ينبغي أن تخضع التعديلات لمراجعة علمية وتربوية مستقلة، بمشاركة مختصين في التاريخ والعلوم والفلسفة والتربية، بما يضمن ألا تتحول عملية الإصلاح إلى استبدال خطاب سياسي بآخر.
تغييرات الصور في الكتب المدرسية السورية عام 2026 وتمثيل النساء
لم يقتصر الجدل حول المناهج السورية على النصوص والمعلومات، بل امتد إلى الصور والرسوم والأعمال الفنية المستخدمة في الكتب المدرسية.
فبحسب ما أوردته منصة «تأكد» بشأن تعديلات في طبعات عام 2026، شملت التغييرات طمس صور نساء وأطفال، وإضافة الحجاب إلى رسوم نسائية، إلى جانب تغطية تماثيل أو حذف أعمال فنية.
وتثير هذه التعديلات أسئلة بشأن المعايير التي تحكم تمثيل النساء والفنون في التعليم، ومدى ارتباطها بأهداف تربوية واضحة أو بتصورات اجتماعية محددة.
فالصورة في الكتاب المدرسي ليست عنصرا تجميليا فقط، بل تؤدي دورا في تشكيل فهم الأطفال للمجتمع، وتحديد من يظهر في المجال العام، وما يُعرض باعتباره مظهرا مألوفا أو مقبولا.
ولا تكمن المشكلة في تمثيل النساء المحجبات بحد ذاته، بل في احتمال حصر تمثيل المرأة في صورة واحدة، أو حذف صور أخرى من دون توضيح الأسباب والمعايير المعتمدة.
وتزداد أهمية هذه القضية في مجتمع سوري متنوع، تختلف فيه العادات والتقاليد والتصورات الدينية والاجتماعية بين المناطق والجماعات. فالمناهج التي تعكس هذا التنوع يمكن أن تساعد الطلاب على فهم الاختلاف والتعامل معه، بينما قد يؤدي التمثيل الأحادي إلى تهميش تجارب اجتماعية أخرى.
حذف دروس المواطنة والمشاركة الديمقراطية من الكتب المدرسية
من بين التعديلات التي أثارت نقاشا بشأن مستقبل التعليم في سوريا، التغييرات التي رُصدت في كتاب الدراسات الاجتماعية للصف السادس، والتي شملت، بحسب منصة «تأكد»، حذف دروس تتعلق بالمواطنة والإدارة المحلية والحياة السياسية والإعلام والمشاركة الديمقراطية.
وتكتسب هذه الموضوعات أهمية خاصة في المرحلة الانتقالية، إذ يحتاج الطلاب إلى فهم كيفية عمل المؤسسات العامة، ودور المجالس المحلية، وحقوق المواطنين ومسؤولياتهم، وطرق المشاركة في الشأن العام.
وإذا جرى حذف هذه الموضوعات من دون توفير بدائل تعليمية مناسبة، فقد تتراجع الفرص المتاحة للطلاب للتعرف إلى المؤسسات وآليات اتخاذ القرار والعمل المجتمعي.
ولا يعني ذلك أن كل تعديل في درس بعينه يمثل بالضرورة تراجعا في التعليم المدني؛ فقد تكون هناك أسباب تتعلق بإعادة تنظيم المحتوى أو تحديثه. لكن الحكم على طبيعة التغيير يتطلب الاطلاع على النسخ الكاملة للكتب، ومعرفة ما إذا كانت الموضوعات المحذوفة قد استُبدلت بمحتوى يؤدي الوظيفة التعليمية نفسها.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية نشر وزارة التربية تفسيرات تفصيلية للتغييرات، خصوصا عندما تتعلق بالمواطنة والمشاركة السياسية والإعلام، بما يسمح للمعلمين والباحثين والأسر بفهم الأهداف التربوية للمنهج الجديد.
توحيد المناهج التعليمية في سوريا للعام الدراسي 2026–2027
أعلنت وزارة التربية اعتماد منهاج دمشق في المحافظات خلال العام الدراسي 2026–2027، تمهيدا لتأليف مناهج جديدة تستند إلى معايير وطنية.
ويأتي هذا التوجه في سياق محاولة معالجة الانقسام التعليمي الذي خلفته سنوات الحرب، حين اختلفت المناهج والأنظمة التعليمية بين المناطق السورية.
وقد يساعد اعتماد مرجعية تعليمية مشتركة على تقليل الفوارق بين الطلاب، وتسهيل انتقالهم بين المدارس والمحافظات، وتوفير إطار وطني موحد للتعليم.
لكن توحيد الكتب المدرسية يطرح في الوقت نفسه سؤالا حول كيفية تمثيل الاختلافات الثقافية واللغوية والتاريخية داخل المجتمع السوري، ومدى مشاركة المناطق المختلفة في صياغة المحتوى التعليمي.
فالوحدة التعليمية لا تعني بالضرورة اعتماد كتاب واحد من دون نقاش، بل يمكن أن تقوم على معايير مشتركة تضمن جودة التعليم، مع مراعاة خصوصية المناطق وتجاربها الاجتماعية والتاريخية.
ومن هنا، ترتبط فرص نجاح توحيد المناهج بمدى شفافية عملية التأليف والمراجعة، وتنوع الجهات المشاركة فيها، ووجود آليات تسمح بتقييم المحتوى وتطويره بصورة مستمرة.
اللغة الكردية والتعدد الثقافي في المناهج السورية
يمثل إدخال اللغة الكردية إلى التعليم الرسمي خطوة ذات دلالة في النقاش الأوسع حول الاعتراف بالتنوع اللغوي والثقافي في سوريا، لكن أثرها يرتبط بكيفية تطبيقها ومكانتها ضمن النظام التعليمي.
فالاعتراف بلغة مكون من مكونات المجتمع لا ينبغي أن يقتصر على مادة دراسية منفصلة، بل يمكن أن يترافق مع عرض أكثر شمولا لتاريخ المناطق السورية وثقافاتها وتجاربها الاجتماعية في الكتب المدرسية.
وتشمل هذه المقاربة تمثيل مختلف الجماعات في السرد التاريخي، وتعريف الطلاب بالموروث الثقافي واللغوي المتنوع، وتعزيز قيم المواطنة والمساواة واحترام الاختلاف.
وفي بلد عانى سنوات من الحرب والانقسام، يمكن للتعليم أن يسهم في بناء مرجعية وطنية مشتركة، شرط ألا تتحول هذه المرجعية إلى وسيلة لتهميش الهويات المحلية أو فرض تصور أحادي للانتماء.
وبذلك، يصبح التحدي أمام المناهج السورية هو الجمع بين وحدة الإطار التعليمي والاعتراف بالتعدد، من دون التضحية بأي منهما.
كيف يمكن إصلاح المناهج السورية من دون تسييس التعليم؟
يتطلب إصلاح المناهج التعليمية في سوريا إجراءات تتجاوز حذف بعض الصور أو تعديل الفقرات، لتشمل بناء آلية واضحة وشفافة لمراجعة المحتوى الدراسي.
ويمكن أن تبدأ هذه العملية بنشر المعايير التي تستند إليها قرارات الحذف والإضافة، وتوضيح الأسباب العلمية والتربوية وراء تعديل الدروس والصور والمصطلحات.
كما تبرز أهمية إشراك المعلمين والباحثين ومختصي المناهج وممثلي المكونات الثقافية واللغوية في عملية المراجعة، بما يضمن تعدد وجهات النظر وعدم احتكار جهة واحدة تعريف الهوية الوطنية.
ومن الضروري أيضا مراجعة أثر التغييرات في المواد العلمية والتاريخية والتربية المدنية، والتأكد من أن أي محتوى يُحذف لا يؤدي إلى فجوات معرفية، وأن البدائل المقدمة تحافظ على الأهداف التعليمية الأساسية.
ويمكن أن تسهم إتاحة النسخ المعتمدة من الكتب المدرسية، وتوثيق التعديلات بين الطبعات، وإعلان نتائج المراجعات، في تعزيز الثقة بالعملية التعليمية وتقليل الالتباس حول أهدافها.
فالمدرسة لا ينبغي أن تكون أداة لتلقين هوية سياسية مقررة سلفا، بل مؤسسة تساعد الطلاب على فهم تاريخهم ومجتمعهم، والتفكير النقدي، واحترام التنوع، والمشاركة في الحياة العامة.
مستقبل الهوية السورية يبدأ من الكتاب المدرسي
تعكس التعديلات التي شهدتها المناهج السورية منذ أواخر عام 2024 صعوبة إعادة بناء التعليم في بلد يسعى إلى تجاوز إرث الاستبداد والانقسام والحرب.
فالتحدي لا يتمثل في الاختيار بين تمجيد الماضي أو محوه، بل في بناء مناهج تقدم تاريخ سوريا بتعدد روافده، وتفصل بين الوقائع والدعاية، وتمنح الطلاب أدوات لفهم الاختلاف ومراجعة المعلومات.
كما أن نجاح توحيد المناهج للعام الدراسي 2026–2027 لن يُقاس بمجرد اعتماد الكتب نفسها في جميع المحافظات، بل بقدرتها على تقديم معرفة موثوقة، وتمثيل التنوع الثقافي واللغوي، وتعزيز مفاهيم المواطنة والمشاركة واحترام الحقوق.
وتحتاج هذه العملية إلى شفافية في قرارات التعديل، ومشاركة مجتمعية حقيقية، ومراجعة علمية مستقلة تضمن أن يكون التعليم مساحة للتعلم والنقاش، لا وسيلة لفرض رواية واحدة.
فالهوية الوطنية لا تُبنى بمجرد تشابه الكتب المدرسية، بل عندما يجد الطلاب أنفسهم ولغاتهم وتاريخ مناطقهم ضمن قصة وطنية مشتركة، لا تتطلب من أي جماعة أن تتخلى عن خصوصيتها كي تشعر بالانتماء إلى سوريا.
ويبقى السؤال الأساسي أمام مستقبل التعليم السوري: هل ستُستخدم المناهج لتحديد هوية جاهزة يتلقاها الطلاب، أم لتكوين جيل يمتلك المعرفة والقدرة على المشاركة في صياغة هوية وطنية جامعة؟
إقرأ أيضاً: تعديلات على المناهج السورية تطال صور النساء والأعمال الفنية وتثير انتقادات بشأن عشوائيتها