مخالفات البناء في اللاذقية تتسع.. سكن اضطراري ورقابة لا توقف التمدد

لم تعد مخالفات البناء في اللاذقية مجرد إضافات صغيرة على منازل قائمة، بل تحولت في عدد من الأحياء إلى نتيجة مباشرة لضغط السكن وارتفاع كلفته، مقابل قدرة محدودة على تأمين بدائل منظمة وميسورة. وفي الطرف الآخر، تتحرك البلدية غالباً بعد ظهور المخالفة، فتزيل جزءاً منها بوسائل محدودة، بينما يبقى أصل المشكلة قائماً: مدينة تتوسع خارج قدرة التخطيط والخدمات والرقابة على مواكبة احتياجات سكانها.

وتتركز المخالفات في أحياء العشوائيات ومناطق الرمل الجنوبي، مسبح الشعب، علي جمال، بساتين الريحان، بسنادا، دمسرخو، الدعتور، حارة الدن وقنينص. وتشمل التعدي على الأرصفة والأملاك العامة وفتح أبواب ونوافذ مخالفة، وصولاً إلى إضافة طوابق كاملة، بعضها يصل إلى خمسة طوابق وفق مجلس المدينة.

82 مخالفة خلال شهر

خلال أيلول، سجلت اللاذقية نحو 82 مخالفة بناء، عولجت 29 منها، بينما بقيت 40 مخالفة قيد المعالجة، وتعذر التعامل مع 13 أخرى بسبب إشغال السكان للأبنية، وفق رئيس دائرة البناء في مجلس المدينة عبد الله إسماعيل حمام.

ويشير حمام إلى أن محدودية الإمكانات اللوجستية تعرقل حملات الإزالة، التي تنفذ في حالات كثيرة بوسائل بدائية كالمهدة والتكسير، وهي طرق قد تلحق الضرر بالبناء من دون إزالة المخالفة بالكامل. كما أن بعض إجراءات الضبط لا تستكمل بالشكل الذي يسمح بإحالة المخالفات إلى القضاء.

ولا تبدو المشكلة محصورة في ضعف أدوات الهدم. ففي تموز، كشفت جولة للهيئة المركزية للرقابة والتفتيش في مجلس مدينة اللاذقية عن ضعف في تقديم الخدمات وترهل إداري وسوء تنظيم للوثائق وغيابات غير مبررة، وانتهت بإجراءات بحق مسؤولين في المجلس.

وفي أيلول، استمرت حملات إزالة المخالفات في مسبح الشعب وبسنادا وقنينص وبستان الريحان، ما يؤكد استمرار الظاهرة رغم الحملات المتكررة.

السكن يدفع السكان إلى المخالفة

وراء الأرقام أسر تبحث عن مساحة للسكن في سوق ترتفع فيه أسعار العقارات والإيجارات. ففي الدعتور، يقول إسماعيل برمبو إن عجزه عن شراء منزل نظامي أو تحمل كلفة الإيجار دفعه إلى بناء منزل مخالف لعائلته، بينما أضاف فارس عقلة في الرمل الجنوبي غرفة إلى منزله بسبب حاجته إلى مساحة أكبر، قبل أن تهدمها البلدية.

تكشف هذه الحالات جانباً لا تعالجه حملات الهدم: المخالفة قد تكون في بعض الحالات نتيجة لضيق الخيارات السكنية، لا مجرد رغبة في تجاوز القانون. فارتفاع سعر الأرض ورسوم الترخيص وأجور الدراسات والهندسة وتكاليف البنية التحتية يجعل السكن النظامي خارج قدرة شرائح من السكان، بينما توفر الأبنية المخالفة خياراً أقل كلفة، وإن كان أكثر هشاشة من الناحية القانونية والخدمية والإنشائية.

الخطر يتجاوز شكل المدينة

يحذر رئيس فرع نقابة المهندسين في اللاذقية صديق مطره جي من إضافة طوابق أو إنشاء أبنية من دون دراسات هندسية موثوقة ورقابة على التنفيذ، مشيراً إلى أن التوسع غير المدروس قد يخفض مقاومة البناء للزلازل، فيما يصبح التحقق لاحقاً من الأساسات والتسليح وجودة التنفيذ أكثر صعوبة وكلفة.

ولا تتوقف التداعيات عند السلامة الإنشائية. فانتشار البناء غير المنظم يضيف ضغطاً على شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق، ويصنع أحياء تتوسع قبل أن تملك الحد الأدنى من البنية التحتية القادرة على خدمتها.

وتزداد صعوبة المشهد عندما يصبح التدخل الرسمي محصوراً بين ضبط المخالفة بعد وقوعها أو هدمها بعد إشغالها. فالإزالة قد تعني فقدان أسرة لمسكنها، بينما التسوية غير المنضبطة قد تحول المخالفة إلى قاعدة تشجع على تكرارها.

إدارة الأزمة بدل منعها

المشكلة في اللاذقية إذاً ليست في عدد الأبنية التي تهدمها البلدية، بل في قدرة الإدارة العمرانية على منع إنتاج المخالفة من الأساس. ويحتاج ذلك إلى تخطيط يستوعب النمو السكاني، وأراضٍ سكنية مهيأة، وتراخيص أقل تعقيداً وكلفة، وتمويل عقاري يناسب الدخول المحدودة، إلى جانب رقابة تبدأ قبل صب الأساسات لا بعد اكتمال الطوابق.

أما استمرار الاكتفاء بحملات إزالة متقطعة في مدينة تعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية وخدمية، فيعني أن المعالجة ستبقى تدور في الحلقة نفسها: سكان يبنون لأن البديل مكلف أو غير متاح، وبلدية تهدم ما تستطيع الوصول إليه، ومناطق تتسع خارج التنظيم، ثم تتحول المخالفة مع مرور الوقت من مشكلة بناء إلى أزمة سكن وخدمات وسلامة عامة.

والأخطر أن تأجيل الحل المنظم يرفع كلفته مع كل طابق جديد وكل أسرة تستقر في بناء مخالف. عندها لا تعود الدولة أمام مخالفة يمكن إزالتها بقرار إداري، بل أمام واقع عمراني كامل يصعب تفكيكه من دون أن يدفع السكان ثمن سنوات من ضعف التخطيط والرقابة.

 

اقرأ أيضاً: تفاقم مخالفات البناء في دمشق: حملة هدم تطال الأحياء الراقية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.