مياه حلفايا لا تواكب عودة الأهالي.. شبكة متهالكة وصهاريج تثقل السكان

تعود حلفايا تدريجياً إلى الحياة، لكن خدماتها لا تبدو قادرة على العودة بالوتيرة نفسها. فمع استعادة نحو 80% من سكان البلدة وجودهم فيها، تتكشف هشاشة شبكة المياه التي أنهكتها سنوات الحرب والإهمال والدمار، فيما يدفع السكان ثمن النقص من جيوبهم عبر شراء المياه بالصهاريج، في وقت تتواصل فيه عمليات ترميم المنازل وإعادة تأهيل ما يمكن إنقاذه منها.

المشكلة في حلفايا لا ترتبط فقط بزيادة الاستهلاك الناتجة عن عودة الأهالي، وإنما ببنية تحتية فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على العمل. وبينما تنفذ الشركة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي في حماة، بالتعاون مع منظمة “يونيسف”، مشروعاً لاستبدال خطوط متهالكة وتوسيع الشبكة، يبقى المشروع محدوداً قياساً بحجم الاحتياج الذي فرضته عودة السكان.

شبكة متضررة وآبار لا تكفي

يقول مختار حلفايا محمود ضياف سويدان إن نحو 70% من الشبكة كانت في الأصل مؤلفة من أنابيب حديدية قديمة، قبل أن تبدأ مؤسسة المياه عام 2005 باستبدالها بخطوط من البولي إيثيلين متعددة الأقطار. إلا أن أجزاء واسعة من الشبكة تعرضت لاحقاً للتدمير، كما تعرضت محطة الضخ الرئيسية للنهب، بما شمل المحركات والتجهيزات والأسلاك الكهربائية، وفق حديثه لـ”عنب بلدي”.

ولا تتوقف المشكلة عند الأنابيب. فغياب الخزانات الرئيسية، إلى جانب محدودية الآبار، جعل عملية الضخ أكثر هشاشة، بينما تعتمد الآبار حالياً على منظومات طاقة بديلة في ظل عدم وجود خط كهرباء مخصص لها. والنتيجة أن المياه تصل إلى المناطق المنخفضة، بينما تبقى الأحياء المرتفعة خارج نطاق الاستفادة خلال فترات الصيف.

هذا الخلل يحول المياه من خدمة عامة إلى كلفة يومية إضافية. ويضطر سكان حلفايا إلى شراء المياه من الصهاريج بأسعار تصل إلى 350 ليرة سورية للمتر المكعب، في وقت يؤكد مختار البلدة عدم تسجيل مشكلات صحية مرتبطة بجودة مياه الشرب.

ثلاثة كيلومترات لا تكفي لإصلاح إرث كامل

تقول الشركة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي إن مشروعها الحالي يستهدف استبدال خطوط انتهى عمرها التصميمي، ومعالجة الأضرار التي لحقت بالشبكة، إلى جانب تنفيذ توسعات فرضتها عودة السكان. وشملت الأعمال نحو ثلاثة كيلومترات من خطوط البولي إيثيلين بقطر 63 ميليمتراً، ونُفذت خلال خمسة أيام، مع نقل وصلات المشتركين إلى الشبكة الجديدة.

ويُفترض أن يؤدي ذلك إلى تقليل التسرب والهدر وتحسين وصول المياه، لكن حجم المشروع يكشف في الوقت نفسه حدود المعالجة الحالية: بضعة كيلومترات جديدة لا يمكنها وحدها معالجة منظومة فقدت خزاناتها ومحطة ضخها وأجزاء من شبكتها، ولا تعويض نقص مصادر المياه والطاقة.

وليست حلفايا حالة منفردة في ريف حماة؛ فقد شهدت المحافظة خلال 2026 مشاريع أخرى بالتعاون مع “يونيسف” لاستبدال شبكات وتأهيل آبار وتحسين الضخ في مناطق تشهد عودة السكان، ما يعكس اتساع الفجوة بين حركة العودة وقدرة البنية التحتية على استيعابها. ففي أيار 2025، أُعيد تشغيل بئر في حلفايا وربطه بالشبكة، وقدّر عدد المستفيدين منه بنحو 5000 نسمة.

المعضلة إذاً ليست في غياب المشاريع تماماً، بل في محدودية حجمها أمام احتياجات بلدات خرجت من الحرب ببنية خدمية منهكة. فعودة السكان لا تحتاج إلى خطوط مياه جديدة فقط، بل إلى إعادة بناء كاملة لمصادر المياه والخزانات ومحطات الضخ وشبكات التوزيع والطاقة، وإلا بقيت العودة نفسها محكومة بقدرة العائلة على شراء صهريج إضافي.

وبهذا المعنى، تبدو أزمة حلفايا مثالاً واضحاً على فجوة إعادة الإعمار في سوريا: المنازل يمكن ترميمها أسرع من الخدمات التي تجعل السكن فيها ممكناً، فيما يتحول المواطن العائد إلى الطرف الذي يدفع كلفة هذا التأخر مرتين، مرة في إعادة بناء منزله، ومرة في تأمين المياه التي يفترض أن تكون خدمة عامة.

 

اقرأ أيضاً: درعا أمام أزمة مياه متفاقمة.. تراجع الينابيع واستنزاف الآبار

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.