“الأسوأ أمنياً”.. هولندا تُبقي سوريا تحت “الخط الأحمر” القنصلي وتُحذّر من السفر

لا تكمن أهمية التحذير الصارم الصادر عن وزارة الخارجية في هولندا بشأن السفر إلى سوريا في كلماته القاسية الحاسمة فحسب، بل في توقيته السياسي الدقيق؛ إذ يأتي في وقت تعيد فيه دول أوروبية عدة مراجعة ملفات اللجوء السوري، وتترقب مسار الانفتاح الغربي تجاه السلطة الجديدة في دمشق. ورغم محاولات إعادة هيكلة المؤسسات عقب سقوط النظام، ما زالت الخريطة الرسمية الهولندية تضع الجغرافيا السورية كاملة تحت اللون الأحمر: “لا تسافر مهما كانت ظروفك، ولا تنتظر إنقاذاً قنصلياً إذا وقعت في أزمة”.

وتؤكد الصفحة الرسمية للوزارة أن التقييم المسجل منذ 31 كانون الأول/ديسمبر 2025 يظل سارياً حتى 24 تموز/يوليو 2026، مشددة على أن المشهد الأمني متقلب وقابل للتدهور السريع نتيجة التوترات الإقليمية.

لماذا تُبقي هولندا سوريا ضمن أقصى درجات الخطر؟

لا يعكس “اللون الأحمر” كثافة العمليات العسكرية الميدانية فقط، بل يقيس فجوة أعمق تتصل بمدى قدرة الدولة على ضبط السلاح، ومنع العنف، وحماية الحقوق، وتوفير الاستجابة القنصلية الفاعلة للأجانب؛ وهي مقومات لم تتشكل بعد ضمن بيئة مؤسسية متماسكة.

وتلخص الخارجية الهولندية المخاطر الرئيسية في أربعة عناصر:

  • انتشار الجماعات المسلحة والشبكات الجهادية.

  • ارتفاع احتمالات التعرض لهجمات إرهابية.

  • مخاطر الاحتجاز والاعتقال التعسفي.

  • تزايد جرائم الخطف والسطو والسرقة.

يُضاف إلى ذلك غياب التمثيل الدبلوماسي الهولندي في دمشق، وإحالة المعاملات الطارئة إلى السفارة في بيروت دون ضمانات إجرائية داخل الأراضي السورية. ويتقاطع هذا الموقف مع توجهات قنصلية غربية صارمة:

الدولة مستوى تحذير السفر إلى سوريا
هولندا اللون الأحمر: امتناع تام عن السفر وغياب الدعم القنصلي.
بريطانيا نصيحة قاطعة بعدم السفر مطلقاً تحت أي ظرف.
فرنسا تصنيف التهديد الإرهابي بـ “المرتفع جداً” وتأكيد عدم رسمية السفر.
الولايات المتحدة المستوى الرابع: “لا تسافر” (Do Not Travel).

جغرافيا معقدة: سوريا ليست ساحة أمنية واحدة

يتعامل التحذير الهولندي مع الجغرافيا السورية كوحدة أخطار متساوية، بينما تكشف القراءة الميدانية عن تبايُنات بارزة بين المحافظات:

  • الشمال الشرقي: شهدت المنطقة خطوات في دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بناءً على اتفاق كانون الثاني/يناير 2026 وانضمام ألوية للجيش، إلا أن ملفات قوى الأمن الداخلي والمناهج والإدارة لا تزال معلقة.

  • محافظة السويداء: يغيب التقدم في خريطة طريق إعادة الدمج، بالتوازي مع استمرار ظواهر الخطف المضاد والانقسامات المحلية.

  • الجنوب السوري: تسجل تقارير أممية توغلات وعمليات إسرائيلية خلف خطوط اتفاق فصل القوات لعام 1974 في القنيطرة ودرعا.

  • الشرق والبادية: يحافظ تنظيم داعش على نشاطه عبر هجمات منخفضة الوتيرة.

  • الوسط والساحل: توترات مجتمعية وانتشار للسلاح في مناطق بالساحل وحمص وحماة.

واقع الاعتقال والاختراقات الإقليمية

تعد فقرة الاعتقال في التقييم الهولندي الأشد حساسية لكونها تلامس شرعية إدارة الملف الأمني؛ إذ وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان 246 حالة اعتقال تعسفي خلال النصف الأول من عام 2026، توزعت بين:

  • 141 حالة على يد قوات الحكومة السورية.

  • 61 حالة على يد القوات الإسرائيلية.

  • 44 حالة على يد قوات سوريا الديمقراطية.

على الصعيد الإقليمي، تُظهر الحوادث الميدانية بوضوح صعوبة عزل الداخل السوري عن صراعات المنطقة؛ ففي 17 تموز/يوليو 2026، نفذت إيران ضربة استهدفت محيط التنف بشرق سوريا، في دلالة على إمكانية استخدام الأراضي السورية لتبادل الرسائل العسكرية بين أطراف خارجية، ما يجعل المجال الجوي والمسارات البرية عرضة للإغلاق المفاجئ.

التبعات الاقتصادية ومعايير المرحلة القادمة

لا تقف آثار هذا التصنيف عند الامتناع عن الزيارة، بل تمتد لتقييد حركة الخبراء وأبناء الشتات عبر رفع كلفة التأمين والرعاية والإجلاء، وتزيد من تعقيد بيئة الاستثمار والتواصل المهني مع الخارج. كما يتزامن ذلك مع صدور تقرير موئل بلد المنشأ الهولندي في كانون الثاني/يناير 2026 الخاص بملفات اللجوء، ما يضع السلطات أمام مسؤولية توضيح المعايير المعتمدة بين تقييم مخاطر السفر الفردي وطلبات الحماية.

ويتوقف تعديل هذا التصنيف مستقبلاً على ثلاثة مؤشرات رئيسية:

  1. قدرة المؤسسات القضائية والأمنية على فرض سيادة القانون والتحقيق بشفافية.

  2. التقدم الملموس في توحيد السلطة الأمنية عبر كافة المحافظات.

  3. مدى ضبط الحدود واحتواء تأثير النزاعات الإقليمية العابرة للحدود.

إقرأ أيضاً: تقرير يرصد 3 سرديات رئيسية لخطاب الكراهية في الفضاء الرقمي السوري وتأثيرها على السلم الأهلي

إقرأ أيضاً: سوريا على قائمة الدول ذات الاهتمام الخاص.. ومخاوف من العنف الطائفي

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.