تراجع الليرة السورية.. هل أسهم استبدال العملة في زيادة الضغوط على سعر الصرف؟
تشهد الليرة السورية موجة جديدة من التراجع أمام الدولار الأميركي، بالتزامن مع استمرار تنفيذ عملية استبدال العملة القديمة بأوراق نقدية جديدة، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول مدى تأثير هذه الخطوة على سوق الصرف، وسط ضغوط اقتصادية ونقدية متواصلة.
ورغم ربط بعض المتعاملين في الأسواق بين الإصدار النقدي الجديد والانخفاض الأخير في قيمة الليرة، يرى خبراء اقتصاديون أن عملية استبدال العملة بحد ذاتها لا تؤدي إلى تراجع قيمتها، وإنما جاءت في ظل ظروف اقتصادية معقدة ساهمت في زيادة الضغوط على السوق، أبرزها محدودية السيولة، وارتفاع الطلب على الدولار، واستمرار التحديات التي تواجه الاقتصاد السوري.
الليرة تواصل خسائرها أمام الدولار
خلال الأسابيع الأخيرة، سجلت الليرة السورية تراجعاً ملحوظاً في السوق الموازية، بعدما اقترب سعر صرف الدولار من مستوى 14 ألف ليرة سورية قديمة، في حين تجاوزت خسائر العملة المحلية 6% خلال شهر واحد، وفق بيانات موقع “الليرة اليوم” المتخصص في متابعة أسعار الصرف.
وترافق هذا التراجع مع موجة ارتفاع جديدة في أسعار السلع الاستهلاكية، إذ تراوحت الزيادات بين 20 و35%، نتيجة ارتفاع تكاليف الاستيراد، وزيادة نفقات النقل والتأمين، إضافة إلى لجوء التجار إلى رفع هوامش الأسعار تحسباً لمزيد من التقلبات في سوق الصرف.
ولا يقتصر تأثير تراجع الليرة على المؤشرات المالية، بل انعكس أيضاً على حركة الأسواق وحالة القلق بين المواطنين والتجار، مع اقتراب انتهاء المهلة المحددة لاستبدال الأوراق النقدية القديمة.
وفي محافظة الحسكة، تجاوز سعر صرف الدولار مستوى 14,200 ليرة سورية، بحسب متعاملين في سوق الصرافة، بينما سجل مستويات أقل في دمشق وعدد من المحافظات الأخرى، ما يعكس تفاوتاً في توافر السيولة النقدية الجديدة بين المناطق.
ارتفاع الطلب على الدولار
ويؤكد عاملون في قطاع الصرافة أن الأيام الأخيرة شهدت زيادة كبيرة في الطلب على الدولار، مع توجه عدد كبير من المواطنين إلى تحويل مدخراتهم من العملة القديمة إلى العملات الأجنبية، خشية انتهاء مهلة الاستبدال قبل تمكنهم من تبديل ما بحوزتهم من أوراق نقدية.
ويعود ذلك، بحسب متعاملين، إلى محدودية مراكز تبديل العملة، وبطء إجراءات التسليم، وعدم وصول كميات كافية من الأوراق النقدية الجديدة إلى بعض المحافظات، ولا سيما في شمال شرقي سوريا، وهو ما دفع كثيرين إلى اعتبار الدولار وسيلة أكثر أماناً للحفاظ على قيمة مدخراتهم.
خبراء: المشكلة ليست في العملة الجديدة
ويرى مختصون في الاقتصاد والسياسات النقدية أن تحميل العملة الجديدة وحدها مسؤولية تراجع الليرة لا يعكس الصورة الكاملة، موضحين أن عمليات استبدال العملات أو حذف الأصفار تعد إجراءات فنية تهدف إلى تنظيم الكتلة النقدية وتحسين كفاءة التداول، ولا تؤثر بحد ذاتها في القوة الشرائية أو سعر الصرف.
ويشير الخبراء إلى أن نجاح مثل هذه الخطوات يبقى مرتبطاً بوجود إصلاحات مالية ونقدية متكاملة تعزز الثقة بالاقتصاد، وتوفر بيئة مستقرة للأسواق، وهو ما يعتبرونه العامل الحاسم في استقرار قيمة العملة الوطنية.
ظروف اقتصادية تزيد الضغوط
وجاء تنفيذ مشروع استبدال العملة في مرحلة يواجه فيها الاقتصاد السوري تحديات متعددة، من بينها محدودية مصادر القطع الأجنبي، وتراجع الصادرات، والاعتماد الكبير على الواردات لتأمين السلع الأساسية.
كما أسهمت التطورات الإقليمية الأخيرة في رفع تكاليف الشحن والتأمين على التجارة الخارجية، ما أدى إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية لتمويل عمليات الاستيراد، في وقت لا يزال فيه عرض القطع الأجنبي محدوداً، الأمر الذي وسع الفجوة بين العرض والطلب في سوق الصرف.
ويرى اقتصاديون أن هذه العوامل مجتمعة جعلت أي زيادة إضافية في الطلب على الدولار تنعكس مباشرة على سعر صرف الليرة في السوق الموازية.
شح السيولة يغذي المضاربة
ومن بين العوامل التي ساهمت في زيادة التقلبات، يبرز شح السيولة بالعملة الجديدة، إذ دفعت المخاوف من صعوبة استبدال الأوراق النقدية القديمة بعض المواطنين إلى تحويل جزء من مدخراتهم نحو الدولار أو الذهب.
ويعتبر خبراء أن هذا السلوك يتكرر عادة خلال فترات الانتقال النقدي في الدول التي لا تتوافر فيها احتياطيات كافية أو خطط واضحة لإدارة التواصل مع الأسواق، ما يفتح المجال أمام تنامي المضاربات على العملات الأجنبية.
انعكاسات مباشرة على الأسواق
ويؤثر استمرار تراجع الليرة بصورة مباشرة في أسعار السلع والخدمات، نظراً إلى ارتباط جزء كبير من الأسعار، سواء للسلع المستوردة أو المنتجة محلياً، بسعر الدولار في السوق الموازية.
ومع استمرار انخفاض قيمة العملة، تتزايد الضغوط على أسعار المواد الغذائية والأدوية والمحروقات ومواد البناء، الأمر الذي ينعكس على مستويات المعيشة ويزيد من الأعباء الاقتصادية على الأسر السورية التي تأثرت خلال السنوات الماضية بارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية.
اختبار للسياسة النقدية
ويرى مراقبون أن المرحلة الحالية تمثل اختباراً مهماً للسياسة النقدية في سوريا، إذ إن نجاح مشروع استبدال العملة لن يعتمد فقط على إنجاز عملية تبديل الأوراق النقدية القديمة، وإنما أيضاً على قدرة السلطات النقدية على استعادة الثقة بالليرة.
ويشمل ذلك ضمان وصول السيولة الجديدة إلى جميع المحافظات، وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، إلى جانب توفير احتياطيات مناسبة من العملات الأجنبية تساعد على تمويل التجارة الخارجية والحد من المضاربات.
وفي المقابل، يحذر اقتصاديون من أن استمرار الضغوط الحالية دون اتخاذ إجراءات فعالة قد يجعل عملية استبدال العملة عاملاً يزيد من تقلبات السوق على المدى القصير، بدلاً من أن تسهم في تحقيق الاستقرار النقدي.
دعوات لتدخلات عاجلة
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي علي عبدالله إن الأسواق تشهد حالة من التلاعب أسهمت في تحقيق أرباح كبيرة للمضاربين والسماسرة، مقابل خسائر تكبدها المواطنون وعدد من أصحاب الأنشطة التجارية.
وأشار، في تصريحات صحفية، إلى ضرورة تدخل الجهات الحكومية والرقابية بصورة عاجلة لضبط حركة الأسواق، وملاحقة المضاربين الذين يستفيدون من التقلبات الحالية لتحقيق مكاسب مالية.
كما دعا إلى تسهيل إجراءات استبدال العملة، معتبراً أن من بين الخطوات الممكنة تمديد مهلة استبدال الأوراق النقدية القديمة لمدة شهر أو شهرين إضافيين، بما يخفف الضغط على المواطنين ويسهم في تقليل حالة القلق في الأسواق.
وفي ظل استمرار الضغوط على الليرة، يرى مراقبون أن التحدي الأساسي لا يتمثل في إصدار العملة الجديدة بحد ذاته، وإنما في قدرة السياسات النقدية والاقتصادية على استعادة الثقة بالسوق، وتوفير بيئة أكثر استقراراً، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد السوري يواجه نقصاً في القطع الأجنبي، وارتفاعاً في الطلب على الدولار، وتراجعاً في النشاط الإنتاجي، وهي عوامل ستبقى مؤثرة في مسار سعر الصرف خلال المرحلة المقبلة.
اقرأ أيضاً:قبل السفر.. تعرف على حدود حمل الليرة السورية والعملات الأجنبية عبر المنافذ الحدودية