أجور النقل في السويداء تلتهم الرواتب وتفضح عجز الحكومة عن حماية معيشة السوريين
تتحول أجور النقل في محافظة السويداء إلى عبء يومي يستنزف دخول الأهالي، في مشهد يكشف اتساع الفجوة بين تكاليف الحياة وقدرة السوريين على تحمّلها. وبينما تدفع زيادة أسعار المحروقات أجور التنقل إلى الارتفاع، يجد الطلاب والموظفون أنفسهم أمام معادلة قاسية: اقتطاع جزء كبير من الدخل للوصول إلى العمل والدراسة، أو تقليص الحضور والمشي لمسافات طويلة لتوفير نفقات الطريق.
ولا تبدو المشكلة مجرد انعكاس لارتفاع أسعار الوقود، بل نتيجة واقع خدمي عاجز عن توفير نقل ميسور التكلفة، في ظل غياب حلول تخفف الأعباء عن المواطنين، فيما تتسع دائرة التكيّف القسري مع الفقر على حساب التعليم والعمل.
التعليم والعمل تحت رحمة أجرة الطريق
تدفع كلفة النقل طلابًا في السويداء إلى تقليص أيام دوامهم الجامعي. وتقول مايا، الطالبة في كلية العلوم، إنها باتت تحضر المحاضرات العملية فقط، وتتغيب عن المحاضرات النظرية لتوفير أجرة الطريق، فيما تحتاج صديقتها المقيمة في صلخد إلى نحو 600 ليرة سورية يوميًا للتنقل إلى الجامعة والعودة منها.
ولا تتوقف التداعيات عند الطلاب؛ فوفاء، الموظفة في مركز “الأمل” الطبي والمقيمة في القريا، تنفق أكثر من 7000 ليرة سورية شهريًا على النقل، أي ما يعادل نصف راتبها، بينما تضطر إلى انتظار الباص طويلًا لتوفير كلفة سيارة الأجرة.
أما رند، البالغة 18 عامًا، فتقطع الطريق سيرًا على الأقدام في بعض الأيام لتوفير الأجرة، في وقت يستهلك فيه التنقل اليومي جزءًا من دخلها المحدود.
هكذا تصبح كلفة الوصول إلى المدرسة أو مكان العمل اختبارًا لقدرة السوريين على الاستمرار في حياتهم اليومية، بدل أن تكون خدمة أساسية تتيح لهم ممارسة حقوقهم دون استنزاف مواردهم.
ارتفاع المحروقات وغياب المعالجة الحكومية
يواجه السائقون بدورهم ارتفاع تكاليف الوقود والصيانة، وسط تراجع أعداد الركاب على بعض الخطوط، ما يضعهم بين رفع الأجور وخسارة الإيرادات. لكن تحميل المواطنين وحدهم نتائج هذه المعادلة لا يعالج أصل المشكلة، بل ينقل كلفة الاختلالات الاقتصادية والخدمية من الجهات المسؤولة إلى جيوبهم.
وجاءت الزيادات عقب تعديل أسعار المشتقات النفطية في أيلول الماضي، إذ ارتفع سعر ليتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة سورية، والبنزين أوكتان 95 من 152 إلى 195 ليرة، وفق الأسعار الواردة في المادة.
وفي غياب حلول نقل عامة أكثر كفاءة وقدرة على استيعاب الركاب، تبدو خيارات الأهالي محصورة بين دفع أجور مرهقة أو التخلي عن جزء من تنقلاتهم. أما التخطيط الخدمي، الذي يفترض أن يخفف أثر ارتفاع التكاليف، فيغيب عن المشهد الذي يقدّم فيه المواطن دخله ووقته وصحته ثمنًا يوميًا للوصول إلى وجهته.
ملاحظة تحريرية: أبقيت النقد الحكومي حادًا، لكن من دون الجزم بوجود فساد محدد؛ فالمادة الأصلية لا تقدم وثائق أو وقائع مباشرة تثبت فسادًا في ملف النقل. اتهام الحكومة بسوء التخطيط والقصور في المعالجة يمكن طرحه بوصفه استنتاجًا نقديًا من غياب البدائل، لا واقعة مثبتة بذاتها.
اقرأ ايضاً: نقص المازوت يهدد تدفئة مدارس السويداء مع اقتراب فصل الشتاء