بعد أكثر من عقد من التوقف.. عودة صهاريج نقل القمح في طرطوس تضع الحكومة أمام اختبار البنية التحتية

بعد أكثر من عشر سنوات من الصمت على القضبان، عادت صهاريج نقل القمح في طرطوس إلى العمل مجدداً، في محاولة لإحياء جزء من شبكة السكك الحديدية التي تآكلت بفعل سنوات طويلة من الإهمال وتراجع الاستثمار. وبينما تقدم الحكومة السورية الانتقالية هذه الخطوة بوصفها إنجازاً لوجستياً، يرى مراقبون أنها تكشف في الوقت نفسه حجم الفجوة التي ما تزال تفصل قطاع النقل عن استعادة دوره الحقيقي في الاقتصاد السوري.

فالقمح، الذي يمثل أحد أعمدة الأمن الغذائي، ظل خلال السنوات الماضية رهينة النقل البري المكلف، وسط ارتفاع أسعار الوقود وأجور الشاحنات والاختناقات التي تتكرر مع كل موسم حصاد، في وقت بقي فيه النقل السككي، الأقل كلفة والأكثر كفاءة، خارج المعادلة إلى حد كبير.

عودة متأخرة لمنظومة تعطلت سنوات

بدأت المؤسسة العامة للخطوط الحديدية في أيار الماضي برنامجاً لإعادة تأهيل 46 صهريجاً مخصصاً لنقل الحبوب، بعد أن بقيت خارج الخدمة لأكثر من عقد. وحتى الآن، أُعيد تشغيل 37 صهريجاً، فيما تتواصل أعمال تجهيز البقية.

ويقول معاون مدير فرع طرطوس للخطوط الحديدية، نضال عبد القادر، إن المشروع يهدف إلى رفع الطاقة التشغيلية للنقل السككي، وزيادة كميات القمح المنقولة في الرحلة الواحدة، وتقليل الاعتماد على الشاحنات، بما ينعكس على خفض استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل، ويضمن وصول الحبوب إلى المطاحن ومراكز التخزين بوتيرة أكثر استقراراً.

لكن المسؤول نفسه يقر بأن المشروع لا يزال يصطدم بعقبات كبيرة، أبرزها نقص قطع الغيار، والحاجة إلى استكمال تأهيل البنية التحتية للسكك الحديدية، وهو ما يعكس حجم التراجع الذي أصاب هذا القطاع الحيوي.

السكك الحديدية… فرصة ضائعة

اقتصادياً، تبدو إعادة الصهاريج إلى الخدمة خطوة ضرورية، لكنها لا تعالج سوى جزء محدود من الأزمة. فالخبير الاقتصادي عامر ديب يرى أن إعادة تأهيل الأصول القائمة أقل كلفة وأكثر جدوى من شراء تجهيزات جديدة، كما أنها تسهم في تخفيض تكاليف نقل الحبوب، وتخفيف الضغط على الطرق، وتقليل استهلاك الوقود.

إلا أن هذه المكاسب، وفق مختصين، ستبقى محدودة ما لم تتحول إلى مشروع وطني شامل يعيد الاعتبار لشبكة السكك الحديدية بكاملها، من القاطرات والعربات إلى الخطوط ومحطات الشحن وربطها بالمرافئ والمناطق الصناعية والزراعية.

اختبار جديد للحكومة السورية الانتقالية

تكشف عودة الصهاريج مفارقة لافتة؛ فالدولة تحتفي اليوم بإعادة تشغيل معدات كان يفترض ألا تتوقف أصلاً. ويطرح ذلك تساؤلات حول أسباب تأخر إعادة تأهيل هذا القطاع، رغم دوره الحيوي في حماية الأمن الغذائي وتقليل كلفة نقل المواد الأساسية.

كما أن الاكتفاء بإصلاح عشرات الصهاريج لا يكفي لمعالجة أزمة النقل، في ظل استمرار ضعف البنية التحتية، والحاجة إلى تحديث شامل للشبكة، وتأمين التمويل، ووضع خطة تشغيلية طويلة الأمد تضمن عدم تكرار حالة التراجع التي أوصلت هذا القطاع إلى حافة الشلل.

وفي وقت تؤكد فيه الحكومة السورية الانتقالية أن إعادة تأهيل السكك الحديدية تمثل إحدى أولوياتها، ينتظر السوريون ما هو أبعد من إعادة تشغيل جزء من الأسطول، إذ تتجه الأنظار إلى قدرة الحكومة على تحويل هذه الخطوات المحدودة إلى مشروع استراتيجي يعيد للسكك الحديدية دورها الاقتصادي، لا أن تبقى مجرد مبادرات متفرقة تفرضها الحاجة الموسمية.

فعودة صهاريج القمح إلى الحركة تحمل دلالة تتجاوز النقل نفسه؛ فهي اختبار مبكر لقدرة الحكومة على استعادة البنية التحتية الحيوية، وتحويلها من عبء متراكم إلى رافعة للتعافي الاقتصادي، في بلد لم يعد يحتمل استمرار إدارة الأزمات بمنطق الحلول المؤقتة.

 

اقرأ أيضاً: قطاع النقل: قفزة قياسية في أجور الشحن والسكك الحديدية تبرز كطوق نجاة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.