أزمة الأطباء المقيمين في سوريا: 15 شهراً بلا رواتب ولا عقود
يعمل مئات الأطباء المقيمين في أقسام العناية المشددة والإسعاف ضمن مشافي وزارة الصحة السورية دون عقود رسمية أو رواتب وبلا أي غطاء قانوني منذ أكثر من 15 شهراً، في واحدة من أخطر الأزمات الإدارية التي تهدد استقرار القطاع الصحي في البلاد.
تكشف وثائق رسمية ومراسلات إدارية عن وجود فراغ قانوني غير مسبوق، وضع أكثر من 700 طبيب مقيم في موقع هشّ قانونياً ومالياً، رغم تكليفهم بأداء مهام طبية حاسمة تشمل التداخلات الجراحية واتخاذ قرارات إنقاذ حياة المرضى.
كيف بدأت أزمة الأطباء المقيمين؟
تعود جذور الأزمة إلى آلية فرز الأطباء الخريجين في سوريا، حيث يوقّع الطبيب عقد تدريب مع إحدى الجهات التالية:
1- وزارة الدفاع السورية
2- وزارة الصحة السورية
3- وزارة التعليم العالي السورية
بينما تتولى الهيئة السورية للاختصاصات الطبية (البورد السوري) الإشراف الأكاديمي.
التحول المفصلي: حل وزارة الدفاع:
عقب الأحداث السياسية في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، تم حل وزارة الدفاع وإغلاق المشافي العسكرية، ما أدى إلى توقف الأطباء المتعاقدين معها عن العمل قسرياً لمدة ستة أشهر.
لاحقاً، تمت الموافقة على توزيعهم على مشافي وزارة الصحة، مع بند إداري ينص على استمرار تقاضي رواتبهم من الجهة المتعاقدين معها سابقاً — أي وزارة الدفاع المنحلة. وهنا بدأت الأزمة الفعلية.
الفجوة القانونية: من يدفع الرواتب؟
أدى القرار إلى خلق معادلة إدارية مستحيلة:
1- وزارة الصحة تستفيد من خدمات الأطباء لكنها لا تدفع رواتبهم بحجة أنهم ليسوا ضمن ملاكها.
2- وزارة الدفاع التي يفترض أن تدفع لم تعد موجودة فعلياً أو تملك موازنة.
النتيجة: أطباء يعملون بلا عقود رسمية، بلا رواتب، وبلا حماية قانونية.
أوامر مباشرة دون غطاء تعاقدي:
أصدرت وزارة الصحة قرارات تكليف رسمية لهؤلاء الأطباء للعمل في مشافٍ رئيسية ضمن اختصاصات حساسة مثل: العناية المشددة والجراحة والقلبية والعصبية، لكن دون توقيع عقود توظيف أو نقل ملاك رسمي، ما يعرّضهم لمساءلة قانونية فردية في حال وقوع أي خطأ طبي.
موقف البورد السوري ونقابة الأطباء:
أعلنت الهيئة السورية للاختصاصات الطبية في كتاب رسمي أن مسؤوليتها تقتصر على الجوانب التدريبية، ولا علاقة لها بالأمور المالية أو العقدية، أما نقابة الأطباء في سوريا، فاكتفت — وفق ردود رسمية — بمتابعة الملف وأخذ “وعود” بتسوية الأوضاع، دون إجراءات تنفيذية واضحة.
المخاطر القانونية: من يحمي الطبيب؟
غياب العقود يعني:
1- عدم وجود حماية قانونية رسمية للطبيب
2- تحمّله المسؤولية الجنائية الفردية عن أي خطأ طبي
3- عدم وجود تأمين مهني
4- احتجاز التراخيص الأصلية، ما يمنع السفر أو العمل في جهة أخرى
هذا الواقع يضع الأطباء تحت ضغط نفسي ومهني كبير، خاصة في أقسام الطوارئ والإنعاش.
نتائج الاستبيان: أرقام تنذر بانهيار صحي:
استبيان شمل 242 طبيباً أظهر مؤشرات خطيرة:
1- استنزاف وظيفي حاد
– 60–80 ساعة عمل أسبوعياً دون مقابل مادي.
2- انهيار اقتصادي
– اعتماد شبه كامل على دعم العائلة أو الديون.
– عمل إضافي خارج أوقات المناوبة لتغطية تكاليف المعيشة.
3- مخاوف قانونية عالية
– قلق واسع من التعرض للملاحقة القضائية في حال الخطأ الطبي.
4- نية مرتفعة للهجرة
– غالبية الأطباء يخططون لمغادرة البلاد فور استعادة أوراقهم الرسمية.
تداعيات الأزمة على المنظومة الصحية:
الأزمة لم تعد مجرد مشكلة رواتب، بل تهديد مباشر لـ:
1- استقرار المشافي الحكومية
2- جودة الرعاية الصحية
3- استمرارية برامج الاختصاص الطبي
4- الأمن الصحي الوطني
5- إجبار مئات الأطباء الشباب على العمل المجاني أو خسارة سنوات الاختصاص قد يؤدي إلى موجة هجرة واسعة، ما يفرغ القطاع الصحي من كفاءاته الشابة.
الحلول المطروحة:
يرى متابعون أن الحل يتطلب:
1- إصدار قرار استثنائي بنقل ملاكات الأطباء إلى وزارة الصحة
2- توقيع عقود رسمية بأثر رجعي
3- صرف المستحقات المالية المتأخرة
4- تأمين غطاء قانوني وتأميني كامل
5- الإفراج عن التراخيص المحتجزة
خلاصة:
تمثل أزمة الأطباء المقيمين في سوريا نموذجاً لفشل إداري متعدد الجهات، حيث وجد أكثر من 700 طبيب أنفسهم يعملون في الخطوط الأمامية دون اعتراف قانوني أو مالي.
ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة لتسوية أوضاعهم، قد تستيقظ المشافي الحكومية على نقص حاد في الكوادر، في وقت يعاني فيه القطاع الصحي أصلاً من هشاشة مزمنة.
إقرأ أيضاً: تضارب الوزارات يهدد القطاع الصحي: أطباء الدفاع يعتصمون أمام رئاسة الجمهورية
إقرأ أيضاً: أطباء اللاذقية ينتفضون ضد الأجور: الطبيب المنهك لا يمكنه المداواة