حين يُحرّض الجمهور السلطة على العنف: انهيار أخلاقي يهدد معنى الدولة في سوريا

المصدر: صحيفة العربي الجديد:

حين يتحوّل الجمهور من رقيب على السلطة إلى محرّض لها على العنف، نكون أمام لحظة انهيار أخلاقي وسياسي خطيرة تهدد جوهر الدولة ومعنى السياسة. لم تعد السلطة وحدها هي من تمارس القمع أو تُلوّح به، بل بات جزء من جمهورها يطالب علنًا بالمزيد من الحسم والقسوة والإقصاء، في مشهد يعكس تحولًا عميقًا في الخطاب العام.

هذا التحول لا يُعبّر عن ولاء سياسي بقدر ما يُعيد إنتاج منطق الإلغاء، ويحوّل الدولة من مؤسسة لإدارة الخلاف إلى أداة لتصفية الخصوم، حيث يصبح التحريض ظاهرة جماعية لا مجرد انفعال فردي.

التحريض باسم الوطنية… تقويض للدولة لا دفاع عنها:

الأخطر أن هذا التحريض يُغلّف بشعارات الوطنية وحماية الدولة، ويُقدَّم بوصفه “ردًا طبيعيًا” على المعارضين. لكن حين يطالب مؤيدو السلطة بـالحسم العسكري في السويداء أو بمواجهة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بالقوة، أو بإلغاء أي صوت معارض، فهم لا يحمون الدولة، بل يطالبونها بالتخلي عن القانون والعدالة.

الدولة التي تُستدرج إلى العنف استجابة لرغبة جمهورها، تفقد شرعيتها السياسية والأخلاقية، وتتحول إلى خصم للمجتمع بدل أن تكون حاميته.

صمت السلطة: تواطؤ أم تمهيد للعنف؟

اللافت أن السلطة لا تُدين هذا التحريض ولا تضبطه، بل تتركه يتفاقم، أحيانًا عبر الإعلام الرسمي وأحيانًا عبر الصمت المتعمد، وكأنها تُراكم الغضب الشعبي لتُبرّر به عنفًا قادمًا.

ويبرز هنا سؤال جوهري: هل تُستدرج السلطة إلى العنف من جمهورها؟ أم أنها تُوظّف هذا الجمهور لتبرير ممارساتها القمعية؟

في الحالتين، النتيجة واحدة: شرعنة القمع، تفكيك المجتمع، وتحويل الدولة من ضامن للعدالة إلى أداة انتقام.

التحريض ضد السويداء و”قسد”: من النقد إلى الإلغاء:

خلال الأشهر الماضية، تصاعدت حملات تحريض واسعة من جمهور السلطة ضد جماعة حكمت الهجري وأهالي السويداء، في خطاب يُحوّل الاحتجاجات المدنية إلى تهديد أمني، ويُمهّد لتبرير أي إجراء عنيف.

هذا الخطاب لم يأتِ فقط من منصات إعلامية، بل من جمهور يُفترض أنه داعم للسلطة، لكنه يدفعها صراحة نحو القمع بدل الحوار، دون أن يواجه بأي إدانة رسمية، ما يجعل التمييز الطائفي جزءًا من منطق الولاء السياسي.

كما لم تسلم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من هذا التحريض، حيث جرى اختزال النقد السياسي المشروع إلى دعوات للحسم العسكري والإلغاء الكامل، في تحوّل يُفرغ القانون من معناه ويحوّله إلى أداة انتقام.

استهداف العلويين تحت غطاء “الفلول”:

لم يقتصر التحريض على خصوم السلطة السياسيين، بل امتد ليشمل العلويين أنفسهم تحت مسميات مثل “الفلول” أو “بقايا النظام السابق”. هذا الخطاب يُمارس تصفية جماعية رمزية، ويُحمّل طائفة بأكملها مسؤولية خيارات أفراد، وهو ما يُحوّل الصراع السياسي إلى صراع هوياتي خطير يهدد أي إمكانية لـمصالحة وطنية حقيقية.

لا يمكن بناء مستقبل على المسؤولية الجماعية، ولا مواجهة القمع بإعادة إنتاجه داخليًا، لأن ذلك يُعمّق الانقسام ويُغلق أفق السياسة.

مسؤولية الخصوم: الصمت عن تحريض جمهورهم:

في المقابل، لا يمكن إعفاء خصوم السلطة من المسؤولية. فلا “قسد” تُدين خطاب جمهورها حين يُشيطن السلطة، ولا يُراجع حكمت الهجري نبرة مؤيديه، بل تُمارَس أحيانًا مزايدة خطابية تُصوّر السلطة ككيان مطلق الشر.

هذا الصمت أو التواطؤ يمنح التحريض شرعية ضمنية، ويحوّله إلى حق غير قابل للنقاش، ما يُغلق باب السياسة ويُكرّس منطق الحرب بدل التفاوض.

التحريض جريمة أخلاقية تهدد فكرة الوطن:

التحريض، سواء صدر عن مؤيدي السلطة أو معارضيها، هو جريمة أخلاقية قبل أن يكون جريمة قانونية. إنه تهديد لفكرة الوطن ذاتها، لأنه يُقوّض إمكانات التعايش، ويُعيد إنتاج منطق الحرب، ويفتح باب التصفيات بدل السياسة.

مسؤولية جماعية ونخب غائبة:

لا تقتصر مسؤولية الخطاب على السلطة وحدها، بل تمتد إلى:

1- جمهورها

2- جمهور خصومها

3- الإعلام

4- النخب الثقافية والفكرية

غير أن كثيرًا من هذه النخب تكتفي بالمراقبة أو تُعيد إنتاج الانقسام بلغة أكثر تهذيبًا. وحين تتحول النخبة إلى صدى للانفعال بدل أن تكون أداة للتفكير النقدي، فإنها تُساهم في تثبيت منطق الإلغاء وتُفرغ السياسة من معناها.

الحوار ليس ضعفًا… بل جوهر السياسة:

الدعوة إلى الحوار والتفاوض ليست ضعفًا، بل هي جوهر العمل السياسي والسبيل الوحيد لحل الخلافات دون تدمير النسيج الوطني.

من يريد حماية الدولة حقًا، عليه أن يُشجّعها على الإصغاء لا القمع، وعلى الاعتراف بالآخر لا سحقه، وعلى العدالة لا الانتقام، فالعنف لا يُنتج استقرارًا، بل يُراكم الكراهية ويُمهّد لانفجارات قادمة.

أي سوريا نريد؟

لا شرعية لتحريض يُقسّم الوطن، ولا مستقبل لدولة تُبنى على الإقصاء.

سوريا التي نحلم بها هي:

1- سوريا العدالة لا الولاء

2- سوريا القانون لا الانتقام

3- سوريا لا يُعتدى فيها على إنسان بسبب طائفته

4- بلاد لا يُقتل فيها أحد دون محاكمة عادلة، ولا يُحرّض فيها مؤيد أو معارض على إلغاء الآخر

إنها سوريا تُدار فيها الخلافات بالحوار، ويُحمى فيها الإنسان، لا يُلغى.

إقرأ أيضاً: استياء سوري واسع بعد خطبة لـ عبد القادر البكور واتهامات له بإثارة خطاب طائفي

إقرأ أيضاً:  تصاعد العنف والانتقام في سوريا: 1334 ضحية مدنية منذ سقوط النظام

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.