درعا أمام أزمة مياه متفاقمة.. تراجع الينابيع واستنزاف الآبار

تواجه محافظة درعا جنوب سورية تراجعاً متزايداً في موارد المياه، مع انخفاض غزارة الينابيع واستمرار استنزاف المياه الجوفية عبر الآبار المخالفة، ما انعكس على كميات مياه الشرب التي تصل إلى السكان في عدد من مناطق المحافظة. ويقول سكان وخبراء في الموارد المائية إن استمرار الوضع الحالي قد يحوّل نقص المياه إلى أزمة أوسع، في ظل تراجع الهطولات المطرية خلال سنوات الجفاف وانتشار الحفر العشوائي للآبار.

في بلدة معربة بالريف الشرقي، يترقب أحمد المقداد مواعيد ضخ المياه التي لا تستمر سوى ساعات محدودة. ويقول لموقع”العربي الجديد” إن الكمية التي يتمكن من تخزينها في أفضل الأحوال تصل إلى ثلاثة خزانات، تبلغ سعة كل منها متراً مكعباً، بينما قد تمتد فترات انقطاع الضخ إلى 18 يوماً، ما يفرض على السكان تقليل استهلاك المياه إلى الحد الأدنى.

ويربط المقداد النقص الحاصل باستنزاف المياه الجوفية نتيجة الحفر الجائر للآبار، إلى جانب سنوات الجفاف التي شهدتها المحافظة. ويشير إلى أن ريف درعا الشرقي تأثر بصورة خاصة بتراجع الهطولات المطرية، مضيفاً أن أزمة المياه أصبحت من أبرز المشكلات التي يواجهها السكان في المنطقة، فضلاً عن انعكاساتها على النشاط الزراعي.

تراجع حصة نوى من مياه الشرب

ولا يقتصر نقص المياه على الريف الشرقي. ففي مدينة نوى، الواقعة في ريف درعا الغربي، تراجعت حصة المدينة من مياه محطة “وادي الأشعري” من نحو 350 متراً مكعباً إلى 120 متراً مكعباً يومياً، وفق المعطيات الرسمية.

ويقول عبد العزيز الوادي، من نوى، إن المدينة التي تتمتع بثقل زراعي كبير في درعا وسورية، وتعد أكبر تجمع سكاني في جنوب سورية، تواجه نقصاً حاداً في مياه الشرب.

ويرجع الوادي هذا التراجع إلى استمرار استنزاف المياه الجوفية وانتشار الآبار المخالفة، ولا سيما في مناطق الريف الغربي، في ظل عدم اتخاذ إجراءات فعالة وحاسمة للحد من حفر الآبار غير المرخصة وردم الآبار القائمة بصورة مخالفة.

ويحذر من أن استمرار الاستنزاف بالمعدلات الحالية، من دون إجراءات لمعالجة المشكلة، قد يقود إلى أزمة يصعب على السكان تحملها. لكنه ينفي أن يكون الحديث عن مغادرة الأهالي لمناطقهم بسبب شح المياه أمراً واقعاً في الوقت الحالي، موضحاً أن التحذير يتعلق باحتمال اضطرار السكان مستقبلاً إلى الانتقال إلى مناطق تتوافر فيها المياه إذا استمرت المشكلة من دون حلول.

وبحسب الوادي، تفاقمت ظاهرة حفر الآبار خلال سنوات الثورة السورية حين توسعت عمليات الحفر العشوائي في مناطق مختلفة من المحافظة.

استنزاف المياه الجوفية في حوض اليرموك

ويربط المهندس عبد الحميد المسالمة، وهو خبير في الموارد المائية، واقع المياه في درعا بتركيبة حوض اليرموك الذي تبلغ مساحته 5750 كيلومتراً مربعاً.

ويوضح المسالمة أن الحوض يتكون من حاملين مائيين رئيسيين: الأول سطحي/بازلتّي تعتمد عليه غالبية الآبار والينابيع، والثاني حامل كلسي عميق يتراوح عمقه بين 400 و1300 متر.

ويقول الخبير إن الحامل الكلسي العميق هو المصدر الوحيد الذي تتسرب منه المياه باتجاه الجولان المحتل، بمعدل يقارب 110 ملايين متر مكعب سنوياً، نافياً بذلك ما يصفها بأنها شائعات تتحدث عن تسرب مياه الينابيع السطحية إلى المناطق المحتلة.

ويرى المسالمة أن التفسير المباشر للجفاف الذي امتد من مناطق المحافظة الغربية باتجاه الشرق لا يرتبط، بحسب تقديره، بالتغير المناخي أو انخفاض الأمطار وحدهما، وإنما بالفساد والانتشار الكثيف والعشوائي للآبار.

كما يحذر من التعامل مع منطقة اللجاة باعتبارها مصدراً مائياً غير قابل للاستنزاف. وعلى الرغم من طبيعتها المعروفة بـ”الإسفنجة البازلتية”، فقد انخفض منسوب المياه فيها بنحو 30 متراً نتيجة الاستجرار القسري من الآبار المحيطة، وفق المسالمة، الذي يعتبر المنطقة حلاً إسعافياً لتأمين مياه الشرب وليس مصدراً دائماً يمكن الاعتماد عليه بلا قيود.

ردم الآبار المخالفة كحل مقترح

وفي بودكاست مع محافظة درعا، قال المسالمة إن إجراءات مثل تشميع الآبار المخالفة أو تركيب العدادات لم تثبت فاعليتها تاريخياً، بسبب سهولة التلاعب بها وإزالتها من قبل الأهالي.

ويطرح الخبير ردم الآبار المخالفة بالكامل باعتباره الإجراء القادر، وفق تقديره، على وقف توسع الاستنزاف وحماية ما تبقى من موارد المياه وآبار ومحطات الشرب. ويقر في الوقت نفسه بأن الردم لن يعيد الينابيع إلى مستوياتها السابقة، لكنه يعتبره وسيلة للحد من استمرار تراجع الموارد المائية.

وبالتوازي مع ذلك، يقترح المسالمة التوسع في استثمار الحامل المائي العميق من خلال حفر آبار يتراوح عمقها بين 500 و800 متر، على أن تتم العملية تحت إشراف هندسي وحكومي دقيق، بما يضمن عزل الحوامل المائية ومنع هدرها، بالتزامن مع الإغلاق الكامل للآبار السطحية العشوائية.

انخفاض كبير في غزارة الينابيع

وتظهر أرقام قطاع المياه في درعا حجم التراجع الذي طرأ على موارد المحافظة. فقد انخفضت غزارة الينابيع من 6786 متراً مكعباً في الساعة إلى 960 متراً مكعباً في الساعة، وفق ما أكده المهندس رياض المسالمة، مدير المؤسسة العامة لمياه الشرب في درعا، لصحيفة “الثورة” السورية.

وأدى هذا التراجع إلى اعتماد نظام ضخ قسري لتوزيع المياه، يقوم على تشغيل المضخات لمدة ثلاث ساعات مقابل توقفها ست ساعات أو أكثر، في محاولة للتعامل مع انخفاض كميات المياه المتاحة.

وبينما يواصل السكان التعامل مع فترات الانقطاع وتقنين الاستهلاك، تشير المعطيات المتاحة إلى أن أزمة المياه في درعا ترتبط بمجموعة عوامل، أبرزها تراجع الموارد المائية واستنزاف المياه الجوفية وانتشار الآبار المخالفة، في وقت تتطلب فيه المحافظة إجراءات للحد من تدهور مخزونها المائي وحماية مصادر مياه الشرب.

اقرأ أيضاً:عدادات مياه ذكية وفاتورة جديدة في سوريا.. ما الذي سيتغير على السكان؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.