من التوغلات إلى التحصينات.. كيف يتغير الواقع الميداني في الجنوب السوري؟
لم تعد التحركات العسكرية الإسرائيلية في جنوب سوريا تقتصر على توغلات قصيرة أو دوريات عابرة، إذ تترافق خلال الفترة الأخيرة مع أعمال حفر وتجريف وشق طرق وإقامة سواتر وخنادق ونقاط مراقبة وتحصينات في مناطق من ريفي القنيطرة ودرعا.
وعلى امتداد المنطقة الحدودية، من ريف القنيطرة الشمالي وصولاً إلى جنوب المحافظة وحوض اليرموك في ريف درعا الغربي، تتغير ملامح الأرض بالتوازي مع زيادة القيود المفروضة على حركة السكان ووصولهم إلى الأراضي الزراعية والمراعي والطرق التي اعتادوا استخدامها.
ومنذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، شهد الجنوب السوري تغيراً في طبيعة الانتشار الإسرائيلي. فبعد التقدم داخل المنطقة العازلة وتوسيع نطاق التحركات العسكرية، أصبحت الدوريات والاقتحامات والحواجز المؤقتة تترافق بصورة متزايدة مع أعمال هندسية ومنشآت ذات طابع أكثر ثباتاً.
وتقول شهادات من سكان المنطقة إن آثار بعض هذه التحركات تبقى حتى بعد مغادرة القوات للموقع، من خلال طرق عسكرية وخنادق وسواتر وبوابات ومواقع مراقبة تحد من الوصول إلى الأراضي وتغير أنماط استخدامها.
مشروع تحصينات يمتد من جبل الشيخ إلى اليرموك
في آب/ أغسطس 2026، تحدثت تقارير عن “مشروع إسرائيلي” أطلق عليه اسم “الشرق الجديد”. وبحسب ما أوردته صحيفة “يديعوت أحرونوت”، أنجز الجيش الإسرائيلي نحو 80% من أعمال حفر الخنادق ضمن مشروع يمتد على طول المنطقة العازلة من مجدل شمس حتى حوض اليرموك.
وتبلغ أبعاد الخنادق، وفق التقارير، نحو أربعة أمتار من حيث العمق والعرض، إلى جانب إقامة سواتر ترابية مرتفعة.
وتقدم “إسرائيل” هذه الأعمال باعتبارها إجراءات تهدف إلى حماية الحدود ومنع التسلل. لكن بالنسبة إلى سكان المناطق الحدودية، فإن اتساع نطاق الأعمال الهندسية يثير مخاوف تتعلق بتغير طبيعة الأراضي وطرق الوصول إليها، خصوصاً عندما تتحول الخنادق والسواتر والطرق العسكرية إلى عناصر ثابتة في المشهد المحلي.
وفي ريف القنيطرة، تبدو هذه الأعمال جزءاً من انتشار أوسع يشمل جباتا الخشب والحميدية والقنيطرة المهدمة ومناطق وتلالاً أخرى، إلى جانب مواقع باتجاه الجنوب.
وتشمل الأعمال التي يتحدث عنها السكان إنشاء طرق لوجستية وتحصينات وسواتر وأبراج مراقبة وبوابات وأسوار، فيما تمنح الطبيعة الجغرافية للقنيطرة، بما فيها المرتفعات والتلال والممرات والسدود والأراضي الزراعية، المواقع العسكرية قدرة على مراقبة مساحات واسعة والتحكم في حركة الأشخاص والآليات.
أما بالنسبة للسكان، فقد تحولت طرق زراعية اعتادوا استخدامها إلى مسارات تخضع للحواجز أو الإغلاق والمراقبة.
جنوب القنيطرة.. التحصينات تصل إلى الأراضي الزراعية
شهدت قرى جنوب القنيطرة خلال الأشهر الماضية توغلات متكررة رافقتها أعمال تجريف وتحركات هندسية.
وفي حزيران/ يونيو الماضي، وثق ناشطون إقامة بوابات حديدية بهدف عزل المزارعين عن أراضيهم غرب الرفيد، كما تحدثوا عن سيطرة القوات الإسرائيلية على تل أبو قبيس لفترة متواصلة.
وخلال آب/ أغسطس، استمرت التحركات في الرفيد وصيدا الحانوت، بالتزامن مع تحركات مماثلة في ريف درعا وحوض اليرموك.
وعند النظر إلى هذه الوقائع مجتمعة، تظهر سلسلة من الإجراءات تبدأ بالتوغل، ثم إنشاء طريق عسكري أو نقطة مراقبة، وصولاً إلى إقامة ساتر أو خندق وبوابة، وما يرافق ذلك من قيود على حركة السكان.
ويشكل حوض اليرموك في ريف درعا الغربي الامتداد الجنوبي لهذا الانتشار. فقد شهدت قرى معرية وكويا وعابدين وجملة وصيصون تحركات شملت التوغل والتمركز وإطلاق النار والقصف والاحتجاز والتفتيش، إضافة إلى قيود على استخدام الطرق والوصول إلى الأراضي الزراعية.
وخلال الأيام الأخيرة، سُجلت سبع حوادث إطلاق نار مباشر بالرشاشات الثقيلة والمدفعية استهدفت السهول الزراعية في الحوض، بينها مناطق جملة وصيصون ومعرية. كما شهدت عابدين توغلات وإقامة حواجز وخيام ميدانية وعمليات تفتيش للمنازل.
وفي 13 آب/ أغسطس، أفادت مصادر محلية بتوغل إسرائيلي في حوض اليرموك، وإزالة حجارة وضعها الأهالي على الطريق الذي يربط حي العارضة في عابدين بقرية معرية. كما طالت أعمال التجريف أراضي زراعية، وتسببت باقتلاع أشجار زيتون.
وبحسب المصادر نفسها، نصبت القوات الإسرائيلية كمائن واحتجزت عائلة وعدداً من المواطنين قبل الإفراج عنهم، كما حذرت السكان من إعادة إغلاق الطريق بالحجارة، ولوحت بهدم منازل في حال تكرار ذلك.
وتشير هذه الوقائع إلى أن تأثير التحركات لا يقتصر على المواقع العسكرية، بل يمتد إلى الطرق التي يستخدمها السكان يومياً للوصول إلى منازلهم وأراضيهم.
سكان اليرموك: الأرض قريبة والوصول إليها أصبح صعباً
في قرية معرية، يقول وائل، وهو مزارع ومربٍ للنحل والمواشي، إن التوغلات جعلت سكان المنطقة يشاهدون أراضيهم من مسافة دون أن يتمكنوا من الوصول إليها.
وقال إن السكان أصبحوا، على حد وصفه، “مثل يلي شايف أرضو ومش قادر يوصلها”.
ويصف وائل رؤية الآليات الإسرائيلية قرب أرضه بأنها من أصعب الظروف التي يواجهها السكان، قائلاً إن “أصعب شي إنك تشوف آليات عم تشتغل بأرضك أو جنب أرضك وما تقدر تعمل شي”.
وبحسب روايته، تعرض لإطلاق نار عندما حاول الوصول إلى أرضه وإنزال الأغنام للرعي، ما أدى، وفق قوله، إلى نفوق أربعة رؤوس من الأغنام.
ولا تقتصر الخسائر التي يتحدث عنها سكان المنطقة على المواشي، إذ يعتمد جزء من سكان حوض اليرموك على الزراعة والرعي وتربية النحل، وهي أنشطة تتطلب وصولاً مستمراً إلى الأراضي والمياه والمراعي.
ويقول وائل إنه يحاول كل عدة أيام الوصول إلى أرضه أملاً في التوصل إلى تفاهم جديد، لكنه يضيف: “ما بشوف غير إطلاق النار”.
وفي ريف القنيطرة الجنوبي، يقول نزال، أحد سكان الرفيد ومربي المواشي، إن الرعي قرب الشريط الحدودي كان جزءاً من حياة السكان لعقود، قبل أن تتغير الظروف بعد سقوط النظام.
ويقول: “فجأة نمنا وصحينا وإذا إحنا ممنوعين نقرب على أرضنا”.
وبحسب نزال، قد تواجه محاولات الاقتراب من مناطق الرعي بإطلاق النار أو الاعتقال أو استخدام الطائرات المسيّرة. ويؤكد أن السكان لا يسعون إلى الاقتراب من المواقع الإسرائيلية، وإنما يريدون الوصول إلى الأراضي التي اعتادوا استخدامها للرعي.
ويضيف: “بدنا أرضنا نرعى فيها، مصروفها صار هلاك والعلف غالي”، في إشارة إلى الأعباء الاقتصادية الناتجة عن صعوبة الوصول إلى المراعي وارتفاع تكلفة الأعلاف.
جباتا الخشب.. تجريف وأعمال تحصين
في ريف القنيطرة الشمالي، يتحدث أبو علي مريود، من جباتا الخشب، عن أعمال تجريف واسعة في منطقة الحرش.ويقول: “الحرش بجباتا من أجمل أراضي القنيطرة، إسرائيل جرفت نصه”.
ويقدر، استناداً إلى ما شاهده السكان وتابعوه ميدانياً، مساحة الأراضي التي تعرضت للتجريف بأكثر من سبعة آلاف دونم، مشيراً إلى أن السكان مُنعوا من الوصول إلى أجزاء واسعة منها.
ولا يعتقد أبو علي أن الأعمال التي يشاهدها في المنطقة مؤقتة، ويقول إن “المشكلة إنهم عم يحطوا قواعد وتحصينات دايمة، مش شغل ليوم ويومين”.
كما يتحدث عن وصول خلاطات إسمنت وآليات بناء واستمرار الأعمال لفترات طويلة، معتبراً أن ما يجري يشير إلى تحضيرات لتحصينات طويلة الأمد.
وبالنسبة إليه، فإن الأثر لا يقتصر على خسارة مساحات من الحرش والأراضي، وإنما يمتد إلى تغيير طبيعة المنطقة نفسها.
ويقول أبو علي إن السكان حاولوا نقل شكاواهم إلى قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك “أندوف”، لكنهم، بحسب روايته، لم يلمسوا إجراءات كافية لوقف أعمال التجريف أو التوسع العسكري.
ويضيف: “بنروح نشتكي عندهم، بيقولوا ما إلنا دخل وما بنقدر نعمل شي”.
وتعكس هذه الشهادة شعوراً لدى سكان المنطقة بوجود فجوة بين الدور الأممي القائم في المنطقة وبين قدرتهم الفعلية على وقف ما يعتبرونه تغيراً ميدانياً متسارعاً.
الأرض تبقى ملكاً لأصحابها.. لكن استخدامها يتراجع
تقدم شهادات وائل ونزال وأبو علي ثلاث صور مختلفة لتأثير التحركات الإسرائيلية على سكان الجنوب السوري.
في معرية، يتحدث مزارع عن صعوبة الوصول إلى أرضه ومراعيه وخسائر لحقت بمواشيه. وفي الرفيد، يصف أحد مربي المواشي تغير نمط حياة استمر لعقود بسبب القيود المفروضة على الوصول إلى مناطق الرعي. أما في جباتا الخشب، فيتحدث أحد السكان عن تجريف مساحات واسعة من الأراضي والحرش بالتزامن مع أعمال بناء وتحضير لتحصينات طويلة الأمد.
والعامل المشترك بين هذه الحالات، بحسب الشهادات، ليس بالضرورة فقدان ملكية الأرض، وإنما تراجع القدرة على استخدامها.
فالأرض قد تبقى مسجلة باسم أصحابها، لكنها تصبح عملياً خارج متناولهم بالنسبة إلى الزراعة أو الرعي أو حتى الوصول إليها، ما يحول القيود الأمنية إلى خسائر معيشية واقتصادية مباشرة.
ولا تصف الوقائع الواردة في المنطقة عملية استيلاء واحدة ومعلنة على الأراضي، بل سلسلة من الإجراءات المتراكمة: توغل، ثم نقطة عسكرية، وطريق، وساتر ترابي، وخندق، وبوابة، وصولاً إلى قيود على المرور والوصول.
ومع استمرار هذه الخطوات، تصبح المنشآت العسكرية أكثر حضوراً في المشهد المحلي.
وتشير دراسة لمركز جسور إلى انتقال عدد من المواقع من انتشار مؤقت إلى مواقع عملياتية ذات طابع شبه دائم، مجهزة بطرق وبنية تحتية وتحسينات دفاعية.
ويعني ذلك أن كل إجراء منفرد قد يبدو قابلاً للتراجع، لكن تراكم الطرق والتحصينات والمواقع قد يؤدي إلى واقع ميداني أكثر صعوبة في تفكيكه.
شبكة تمتد من جبل الشيخ إلى حوض اليرموك
عند جمع المواقع والتحركات المشار إليها، يظهر نطاق جغرافي يمتد من جبل الشيخ شمالاً، مروراً بريف القنيطرة، وصولاً إلى جنوب المحافظة وحوض اليرموك في ريف درعا.
وتشير دراسات إلى وجود بعض المواقع في مناطق مرتفعة وقرب سدود وممرات طبيعية وغابات، وهي عوامل تمنحها، بحسب هذه الدراسات، قدرة على المراقبة والتحكم في طرق وممرات ذات أهمية استراتيجية.
ومن هذه الزاوية، يبدو حوض اليرموك امتداداً جنوبياً لمنظومة انتشار أوسع، وليس منطقة منفصلة عن التحركات التي تشهدها القنيطرة.
في المقابل، تتحرك دمشق عبر القنوات الدبلوماسية والأمنية في محاولة لاحتواء التصعيد والتوصل إلى ترتيبات مع إسرائيل.
وفي أحدث حلقات هذا المسار، التقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، الأحد 23 آب/ أغسطس، رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان في الأردن، وفق ما ورد، بهدف خفض التوتر بعد التصعيد الأخير والغارة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور في ريف إدلب في 18 آب/ أغسطس.
وجاء اللقاء بعد سلسلة من الاتصالات بين دمشق وتل أبيب، فيما أكد الشيباني أن دمشق تتوقع استئناف المحادثات الأمنية، وأن هدفها الوصول إلى اتفاق أمني، مع التشديد على وقف الهجمات الإسرائيلية على الأراضي السورية.
بين التفاوض والواقع الميداني
تجري الاتصالات السياسية والأمنية بين دمشق وتل أبيب بالتزامن مع استمرار التوغلات وأعمال التجريف وشق الطرق وإقامة الخنادق والتحصينات.
وتقول إسرائيل إن تعزيز انتشارها الحدودي يهدف إلى حماية أمنها ومنع التسلل والهجمات، فيما تركز التقارير المتعلقة بمشروع “الشرق الجديد” على إنشاء تحصينات تهدف إلى منع التسلل وإبطاء أي تقدم بري.
لكن بالنسبة إلى سوريا والسكان المحليين، تبرز إشكالية مختلفة عندما تتحول هذه الإجراءات إلى منشآت داخل الأراضي السورية أو إلى قيود تحد من الوصول إلى الأراضي والطرق والمراعي.
وعند هذه النقطة، لا يعود النقاش مقتصراً على الجانب الأمني، بل يمتد إلى مسألة السيطرة على الأرض وحرية الحركة وتغيير الواقع الحدودي.
ومنذ نهاية عام 2024، انتقلت المنطقة الحدودية إلى وضع عسكري أكثر كثافة، بينما شهد عام 2026 مؤشرات إضافية على تحول الوجود الإسرائيلي من دوريات وتوغلات إلى إنشاء بنية عسكرية أكثر تكاملاً.
وفي الوقت ذاته، تستمر دمشق في المسار التفاوضي والأمني مع إسرائيل، لتبرز مفارقة واضحة بين مسارين متوازيين: مفاوضات تسعى إلى تحديد قواعد جديدة للتعامل بين الطرفين، وتحركات ميدانية تعمل في الوقت نفسه على ترسيخ واقع جديد في الجنوب السوري.
ويبقى السؤال المطروح أمام هذه التطورات هو ما إذا كانت المفاوضات ستقود إلى إنهاء الوجود الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، أم إلى ترتيبات أمنية جديدة تنظم هذا الوجود وتحدد نطاقه وشروطه.
اقرأ أيضاً:تصعيد إسرائيلي في جنوب سوريا.. حرائق في جباتا الخشب وتوغلات متواصلة في القنيطرة ودرعا
اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز