مشاريع الطرق في سوريا.. مسارات جديدة لإنقاذ شبكة أنهكتها سنوات الإهمال
تدخل شبكة الطرق في سوريا مرحلة جديدة من مشاريع التأهيل، مع وعود بإعادة فتح مسارات مغلقة وتوسيع محاور استراتيجية تربط الشمال بالجنوب والشرق بالغرب. لكن خلف هذه المشاريع الكبيرة، تظهر مشكلة أكثر عمقاً: شبكة طرق أنهكتها سنوات الحرب والحمولات الزائدة وضعف الصيانة، فيما لا تزال قدرة المؤسسات الحكومية على التنفيذ والتمويل والمتابعة تواجه عوائق تعرقل إنجاز بعض المشاريع.
وتستعد المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية لإعادة فتح المسارات المغلقة على طريق إدلب-أريحا ضمن أوتوستراد M10، بعد أعمال تأهيل شارفت على الانتهاء، وسط توقعات بإعادة الحركة الكاملة إلى الطريق نهاية أيلول المقبل.
إدلب-أريحا.. نهاية التحويلات المؤقتة
يُعد محور إدلب-أريحا جزءاً من شبكة طرق تربط إدلب بالساحل، وتكتسب إعادة فتح مساراته أهمية تتجاوز الحركة المحلية، نظراً لارتباطه بحركة السكان ونقل البضائع.
وبحسب المؤسسة، فإن الأجزاء المتضررة كانت تُخدم عبر تحويلات مرورية مؤقتة، بينما يجري العمل حالياً لإنهاء التأهيل وإعادة المسارات الأصلية إلى الخدمة.
لكن استمرار التحويلات لفترة طويلة يكشف حجم الأضرار التي خلفتها السنوات الماضية، ويطرح سؤالاً حول قدرة الدولة على الانتقال من الصيانة الإسعافية إلى إدارة شبكة طرق تحتاج إلى صيانة دورية قبل أن تتحول الأضرار الصغيرة إلى مشاريع بملايين الدولارات.
تدمر-دير الزور.. 300 مليون دولار وطريق بطول 420 كيلومتراً
يبرز مشروع تدمر-دير الزور باعتباره أحد أكبر مشاريع الطرق المرتقبة، بكلفة تصل إلى نحو 300 مليون دولار من خزينة الدولة، ويمتد على 420 كيلومتراً.
ومن المقرر تنفيذ المشروع على مرحلتين، تشمل الأولى تأهيل الطريق الحالي، والثانية إنشاء مسار ثانٍ موازٍ، بما يحول الطريق إلى محور أكثر قدرة على استيعاب حركة الشاحنات ويخفف مخاطر الحوادث.
لكن المؤسسة تربط جزءاً من الأضرار بالحمولات الزائدة التي تتجاوز في بعض الحالات قدرة الطريق على التحمل بأكثر من 50%، خصوصاً مع حركة الشاحنات المرتبطة بالمقالع ومصانع الإسفلت.
وهنا تبدو المشكلة أوسع من نقص الأموال؛ فإعادة تأهيل الطرق من دون ضبط الحمولات يعني إعادة إنتاج التلف نفسه، وتحويل الخزينة إلى ممول دائم لصيانة أضرار كان يمكن منع جزء كبير منها بالرقابة.
مشاريع أخرى تصطدم بالعقبات المصرفية
تشمل الخطة أيضاً تأهيل محاور دمشق-حمص، وحمص-حلب، ودمشق-نصيب، إضافة إلى مشروع البصيرة-التنف بطول 215 كيلومتراً، الذي يستهدف تعزيز الربط التجاري مع العراق.
لكن المؤسسة تقر بوجود عقبات مصرفية عطلت بعض المشاريع، نتيجة صعوبة تأمين الضمانات البنكية للشركات المنفذة، وهو ما انعكس على جداول التنفيذ في أكثر من محور.
وتتعاون وزارة المالية مع المؤسسة لمعالجة هذه العقبات، لكن استمرار تأثيرها يكشف واحدة من المشكلات الأساسية في إعادة الإعمار: المشروعات قد تتوافر لها الحاجة والأرض والدراسة، ثم تتعثر عند بوابة التمويل والضمانات والإجراءات.
البنية التحتية لا تحتمل تأجيلاً جديداً
لا تنحصر أهمية هذه المشاريع في اختصار زمن الرحلات. فالطرق هي شرايين الاقتصاد، وأي خلل فيها يرفع كلفة النقل، ويبطئ حركة البضائع، ويزيد الضغط على السيارات والشاحنات، ويضاعف مخاطر الحوادث.
وقد أظهر حادث دير الزور-دمشق في تموز الماضي، الذي خلف 35 وفاة و30 إصابة، أن الطرق السورية لا تزال تدفع ثمن ضعف البنية التحتية إلى جانب أخطاء القيادة والسرعة.
وتؤكد المؤسسة أن كثيراً من الطرق لا يزال غير مناسب للسرعات العالية، مشددة على ضرورة الالتزام بالسرعات المحددة، ولا سيما على الطرق ذات المسار الواحد.
مشاريع كبيرة.. وامتحان أكبر للحكومة
تبدو الحكومة الانتقالية أمام معادلة صعبة: شبكة طرق واسعة تحتاج إلى مليارات الدولارات لإعادة تأهيلها، مقابل مؤسسات لا تزال تواجه نقصاً في المعدات والعقبات المصرفية ومشكلات التمويل والرقابة.
وإعادة فتح طريق إدلب-أريحا أو إطلاق مشاريع تدمر-دير الزور والبصيرة-التنف خطوات مطلوبة، لكنها لن تكون كافية ما لم ترافقها صيانة دورية، وضبط صارم للحمولات، ورقابة فعلية على التنفيذ، وتمويل مستقر يمنع توقف المشاريع عند كل أزمة مصرفية.
فالطريق لا ينتهي عند افتتاحه. المشكلة الحقيقية تبدأ بعد ذلك: هل تستطيع الحكومة الانتقالية الحفاظ عليه، أم ستعود بعد سنوات قليلة إلى المشهد نفسه، بطريق متضرر ومناقصة جديدة وفاتورة أخرى من المال العام؟
اقرأ أيضاً: وزارة النقل تطرح مناقصات لتأهيل الطرق الدولية في سوريا