التين المجفف في إدلب تحت ضغط الآفات وارتفاع التكاليف.. موسم مهدد بالخسائر
يصل موسم التين في إدلب هذا العام مثقلاً بما يكفي لتحويل محصول موسمي معروف إلى معركة جديدة مع الكلفة والآفات والسوق. فبينما كان يفترض أن تمنح أشجار التين المزارعين دخلاً موسمياً مستقراً، جاءت إصابات حشرية واسعة وتراجع الإنتاج وارتفاع أسعار الثمار ومستلزمات التجفيف لتضغط على البساتين والمعامل معاً، وتضع مستقبل إحدى الصناعات الريفية أمام أسئلة أكبر من قدرة الموسم الحالي على الإجابة عنها.
وتزداد المفارقة مع استمرار التين المجفف في الوصول إلى أسواق عربية وأجنبية، ما يعني أن المنتج يمتلك فرصة تسويقية، بينما يواجه منتجه المحلي صعوبة في تأمين الكميات الكافية وبكلفة تسمح باستمرار العمل.
آفة تسبق موسم القطاف
تتركز الخسائر الأشد، بحسب مزارعين في ريف إدلب، في الإصابة بما يعرف محلياً بذبابة التين أو حفار التين، وهي حشرة تضع بيوضها داخل الثمار، قبل أن تتغذى اليرقات عليها، ما يؤدي إلى توقف نمو الثمرة واصفرارها وسقوطها.
ويقول المزارع مروان مغلاج، من كفرعويد، إن أكثر من 70% من محصوله تضرر هذا الموسم، رغم امتلاكه نحو 120 شجرة تتراوح أعمارها بين عامين وثلاثين عاماً.
ولجأ مزارعون إلى المبيدات والفلاحة العميقة وتقليم الأشجار لتحسين التهوية والحد من انتشار الإصابة، لكن النتائج بقيت محدودة وفق إفاداتهم، ما يعيد طرح سؤال الرقابة والإرشاد الزراعي وقدرة الجهات المختصة على التدخل قبل تحول الإصابة إلى خسارة واسعة.
إنتاج أقل.. وتكاليف لا تتراجع
لا تقف خسائر الموسم عند كمية الثمار. فارتفاع أسعار التين نتيجة انخفاض المعروض يرفع كلفة المادة الأولية على معامل التجفيف، التي تواجه في الوقت نفسه نفقات إضافية تتعلق بالمواد المستخدمة في التجهيز والتعبئة والطاقة واليد العاملة.
ويصف عبد المنعم الإبراهيم، صاحب معمل للتين المجفف في كورين، الإنتاج الحالي بأنه بين الضعيف والمتوسط، موضحاً أن معمله يشتري الثمار من جبل الزاوية ومصياف ومناطق أخرى، ثم يمررها عبر مراحل المعالجة والفرز والتجهيز قبل تعبئتها وفق متطلبات الزبائن.
وتشمل العملية التجفيف والتصنيف والتعقيم وإعادة التجفيف، إضافة إلى استخدام مواد تساعد على الحفاظ على لون بعض المنتجات، ما يرفع الكلفة النهائية في وقت لا تسمح فيه السوق دائماً بتمرير كامل الزيادة إلى المستهلك.
منتج قابل للتصدير.. لكنه يحتاج إلى دعم
رغم ذلك، لا ينحصر التين المجفف في السوق المحلية. فالمعامل في إدلب تجهز كميات للتصدير إلى دول عربية وأجنبية، بينها الإمارات والسعودية والعراق والأردن ومصر وألمانيا وماليزيا.
وهذه القدرة التصديرية تمنح القطاع فرصة حقيقية للنمو، لكنها تحتاج إلى إنتاج مستقر ومواصفات واضحة وسلاسل توريد قادرة على تأمين المادة الأولية بأسعار مناسبة.
المشكلة أن الحكومة الانتقالية لا تزال مطالبة بتحويل الدعم الزراعي من تدخلات موسمية إلى سياسة متكاملة، تبدأ بمكافحة الآفات وتأمين مستلزمات الإنتاج، ولا تنتهي عند التسويق والتصدير.
فحين يخسر المزارع معظم محصوله بسبب آفة، ثم يواجه ارتفاعاً في ثمن ما تبقى من الثمار، ويجد المعمل نفسه أمام كلفة متصاعدة ومادة أولية أقل، يصبح الحديث عن حماية القطاع مجرد شعار ما لم يسبقه جهاز إرشاد ومكافحة قادر على التحرك في الوقت المناسب.
موسم يختبر قدرة القطاع على الصمود
التين المجفف ليس مجرد منتج غذائي؛ هو مصدر دخل لعائلات، ومهنة موسمية، وسلسلة إنتاج تبدأ من الشجرة وتنتهي في الأسواق الخارجية. لكن استمرارها يحتاج إلى ما هو أبعد من مهارة المزارع وخبرة المعمل.
فالموسم الحالي يكشف هشاشة قطاع يمكن لآفة واحدة، أو ارتفاع واحد في التكلفة، أو تأخر في المكافحة، أن يقلب معادلته بالكامل.
وبين أشجار تتساقط ثمارها قبل موعدها، ومعامل تبحث عن كميات أقل بأسعار أعلى، تبدو الحكومة أمام اختبار واضح: إما أن تتعامل مع التين كقطاع زراعي قابل للتطوير والتصدير، أو يبقى موسماً بعد آخر مجرد قصة عن محصول كان يمكن إنقاذه في وقت مبكر.
اقرأ أيضاً: ذبابة التين تضرب ريف إدلب.. موسم مهدد وغياب الإرشاد يضاعف خسائر المزارعين