حي الصناعة في دير الزور.. عودة تصطدم بالأنقاض وخدمات لم تكتمل
في حي الصناعة في دير الزور، لا تكفي عودة السكان لفتح صفحة جديدة؛ فالمدينة التي خرجت من سنوات الحرب تحمل آثارها في الشوارع والمنازل وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي. وبينما يحاول الأهالي استعادة ما يمكن استعادته، تبدو العودة أبطأ من أنقاض الحي، وأسرع من قدرة المؤسسات الحكومية على إعادة بناء الخدمات الأساسية.
ويقول أهالي الحي إن حجم الدمار يقارب 95 بالمئة، فيما لا تزال أعداد المنازل المأهولة محدودة. ويحول غياب المياه والكهرباء والصرف الصحي والاتصالات والمواصلات، إلى جانب تراكم الأنقاض والقمامة ومخلفات الحرب، دون تحول العودة إلى استقرار فعلي.
عودة بلا مقومات الاستقرار
يستعيد عبد القادر البيك، أحد أبناء الحي، تاريخ 26 حزيران 2012 بوصفه نقطة الانقطاع الكبرى في حياة السكان، حين أجبر القصف المكثف العائلات على النزوح. وبعد سنوات، عاد بعض السكان إلى منازلهم، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام حي يحتاج إلى إعادة بناء تكاد تبدأ من الصفر.
ويشير البيك إلى أن عدداً من العائلات التي عادت من خارج سوريا تراجعت عن قرار الاستقرار مجدداً بسبب غياب الخدمات، بينما يجد المقيمون أنفسهم أمام طرق مغلقة بالأنقاض، ونفايات متراكمة، وحشرات وزواحف تصل إلى المنازل، في ظل ضعف أعمال الترحيل والتنظيف.
ولا تتوقف المشكلة عند الخدمات اليومية؛ فغياب المدارس والمستوصفات ووسائل النقل وشبكات الصرف الصحي يحول دون استعادة الحي وظائفه الطبيعية، ويجعل العودة السكانية فعلاً هشاً يمكن أن يتراجع عند أول اختبار.
الكهرباء.. شبكة تنتظر المعدات
تقول مؤسسة الكهرباء إنها بدأت إعادة التغذية تدريجياً، وتعمل على تأهيل مركز تحويل قرب مستوصف الحي، إلا أن نقص المحولات والأعمدة والتجهيزات والآليات يبطئ العمل.
ويشير مدير التشغيل والاستثمار في المؤسسة إبراهيم الشوحان إلى أن نسبة تأهيل الشبكات داخل مدينة دير الزور بلغت نحو 60 بالمئة، بينما لا تزال مناطق الريف والجزيرة بحاجة إلى تأهيل واسع.
لكن بالنسبة لسكان حي الصناعة، لا تبدو النسب كافية ما دامت المنازل العائدة تنتظر طاقة مستقرة، فيما ترتبط زيادة ساعات التغذية بقدرة المؤسسة على تأمين التجهيزات والطاقة المخصصة للمحافظة.
المياه أفضل.. ولكن
في المقابل، يبدو ملف المياه أكثر تقدماً في بعض أجزاء الحي بعد استبدال الشبكات بدعم من منظمات، بينما تخضع الأجزاء الأكثر تضرراً لأعمال صيانة محدودة.
ويؤكد مدير الصيانة والاستثمار في مؤسسة مياه دير الزور عبد المنعم العبد الله أن نسب التأهيل تختلف بين الأحياء بحسب الأضرار وعودة السكان، مع استمرار نقص الآليات والكوادر والخبرات.
وهذه المعطيات تكشف مشكلة أوسع: الخدمات لا تتحسن بالوتيرة نفسها التي يعود بها السكان، ما يجعل كل عودة جديدة تضيف طلباً إلى بنية تحتية لم تستعد طاقتها بعد.
100 مليار ليرة للطرق.. والأنقاض أولاً
أما مجلس مدينة دير الزور، فيواجه بدوره نقصاً في الآليات والعمال والكوادر الفنية، فيما لا تزال معظم الطرق الداخلية متضررة، وشبكات الصرف الصحي تحتاج إلى تدخلات واسعة.
ويقول المجلس إنه أعد دراسات لتأهيل عدد من الطرق بكلفة تقديرية تقارب 100 مليار ليرة سورية، تشمل التزفيت والأرصفة، بالتوازي مع إزالة الأبنية الآيلة للسقوط وفتح الطرق وتنفيذ حملات نظافة بدعم من منظمات وجهات محلية.
لكن صورة حي الصناعة تقول إن المشكلة ليست غياب الخطط وحده، بل بطء تحويلها إلى واقع. فالمواطن العائد لا يعيش على الدراسات والجداول الزمنية، بل يحتاج شارعاً مفتوحاً وماءً وكهرباء ومدرسة ومستوصفاً ووسيلة نقل.
وتجد الحكومة السورية الانتقالية نفسها أمام اختبار حقيقي في دير الزور: إعادة بناء مدينة دمرتها الحرب لا يمكن أن تقوم على حلول إسعافية متفرقة أو انتظار الدعم الخارجي في كل ملف. فالعودة تحتاج إلى دولة قادرة على ترتيب الأولويات، وتوفير التمويل، وتسريع التنفيذ، وربط مشاريع المياه والكهرباء والصرف والطرق ضمن خطة واحدة.
وفي حي الصناعة، لا تزال العودة معلقة بين منزل أعيد ترميمه وحي لم يستعد بعد؛ وبين رغبة السكان في الحياة من جديد، وبطء دولة يفترض أن تجعل من هذه الرغبة بداية للتعافي لا سبباً جديداً للنزوح.
اقرأ ايضاً: عودة المهجرين السوريين ورؤية “سوريا بلا مخيمات”: تحديات السكن والخدمات وإعادة الإعمار