استهداف المقامات الدينية في سوريا.. تصاعد العنف الطائفي وسط غياب المحاسبة

تشهد سوريا منذ عامي 2025 و2026 تصاعداً ملحوظاً في وتيرة الاعتداءات التي تطال المقامات والمزارات الدينية المرتبطة بالأقليات، في سياق يتسم بارتفاع حاد في التوترات والانتهاكات ذات الطابع الطائفي، التي سبقت وتلت أحداث الساحل والسويداء بحق السكان العلويين والدروز، وفق ما أورده موقع “الحل نت”.
هذا التصاعد لا يبدو منفصلاً عن المشهد العام في البلاد، حيث يترافق مع إخفاق أمني في حماية الأقليات، وتنامٍ في خطاب الكراهية، وتحول في طبيعة العنف من مواجهات عسكرية تقليدية إلى استهداف مباشر للرموز الدينية.

وتشير المعطيات إلى نمط متكرر من الاعتداءات الموثقة عبر منشورات محلية ومقاطع مصورة، تتركز جغرافياً وتتشابه في أساليبها، بينما تبقى خارج التغطية الإعلامية الرسمية.
تخريب مقام الشيخ محمد المغربي
أحدث هذه الحوادث تمثل في الاعتداء على مقام الشيخ محمد المغربي في قرية أصيلة بريف مصياف، حيث أظهرت مقاطع مصورة متداولة بين 18 و22 مارس 2026 عملية تخريب ممنهجة داخل المقام.

وبدا الضريح متضرراً بشكل واضح، مع آثار كسر وانكشاف داخلي يدل على العبث المباشر به.
كما أظهرت الصور تناثر الأقمشة والمقتنيات داخل المكان، وتكسير الصناديق الخشبية، إضافة إلى أضرار في الجدران الداخلية وشقوق واضحة، فيما أشارت بعض الروايات المحلية إلى احتمال استخدام أداة تفجير محدودة، دون تأكيد ذلك بشكل قاطع.

وتوحي طبيعة الاعتداء بوجود بعد رمزي يتجاوز التخريب المادي.
الساحل السوري بؤرة متكررة للاعتداءات
في محافظة اللاذقية، وثقت منشورات محلية في 11 مارس حادثة نبش وتخريب مقام ديني علوي، حيث أظهرت الصور فتح القبر بشكل مباشر والعبث بمحتوياته، وهو نمط يحمل دلالات رمزية حساسة تتجاوز استهداف المكان إلى استهداف الشخص المدفون فيه.
وتشير هذه الوقائع إلى أن مناطق الساحل السوري، لا سيما مصياف وطرطوس واللاذقية، تشكل بؤرة رئيسية لهذه الاعتداءات، التي غالباً ما تقع في مناطق ريفية أو شبه معزولة، ما يحد من توثيقها وانتشارها إعلامياً، ويجعلها تظهر أساساً عبر حسابات محلية قبل أن تختفي دون تغطية واسعة.
امتداد الظاهرة إلى عام 2025
بالعودة إلى عام 2025، يتضح أن هذا النمط من الاعتداءات ليس حديثاً، بل ممتد زمنياً ومتعدد الجغرافيا.

ففي بلدة عالقين بريف درعا، تم توثيق حادثة نبش وتخريب ضريح محمد بن حذيفة في 4 مايو، حيث أظهرت المقاطع المصورة فتح الضريح وتفكيك أجزاء من البناء المحيط به.
وفي ريف سلمية بمحافظة حماة، تعرض مقام فرج أبو حيّة، المرتبط بالطائفة الإسماعيلية، للتدمير الكامل، مع فتح الضريح وتخريب بنيته الداخلية.

كما شهد مارس من العام ذاته تفجير مقام الشيخ ناصر أسعد، أحد أبرز مقامات الطائفة العلوية، في هجوم تبنته “سرايا أنصار السنة” وأسفر عن تدميره بالكامل.
وفي حادثة أخرى، استُهدف مقام الشيخ محمد العجمي في قرية الفان الوسطاني في 9 يناير 2025، حيث نفذ شخصان على دراجة نارية عملية تفجير وقاما بتوثيقها ونشرها.

كما سجل ديسمبر من العام نفسه استهداف عدة مقامات في طرطوس، بينها مقامات حامد زغبور وأحمد الشعباني، التي تعرضت للحرق والتخريب بدرجات متفاوتة.
أنماط متعددة من الاعتداءات
تتخذ هذه الاعتداءات أشكالاً متعددة، تشمل التخريب المباشر، نبش القبور، الإحراق المتعمد، والتفجيرات، إلى جانب محاولات استهداف لم تُنفذ. كما شهدت البلاد هجمات أكبر طالت دور عبادة، منها تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق في 22 يونيو، وتفجير مسجد الإمام علي في حمص في 26 ديسمبر، إضافة إلى إحباط محاولة استهداف مقام السيدة زينب في ريف دمشق.
ويجمع بين هذه الحوادث استهداف البعد الرمزي والديني للمواقع، وليس فقط بنيتها المادية، مع بروز المقامات المرتبطة بالطائفة العلوية كأكثر المواقع تعرضاً للاعتداء، خاصة في الساحل السوري.
فجوة التوثيق والتعتيم الإعلامي
تعاني هذه الظاهرة من ضعف واضح في التوثيق، إذ تعتمد معظم المعلومات على منشورات فيسبوك ومقاطع قصيرة تفتقر غالباً إلى تفاصيل دقيقة حول التوقيت أو الجهات المنفذة. هذا النمط يحد من إمكانية التحقق ويجعل الصورة العامة مجزأة وغير مكتملة.
في المقابل، يظهر تقصير في التغطية الإعلامية، حيث لا تحظى هذه الحوادث باهتمام منهجي، باستثناء الهجمات الكبرى، ما يبقيها ضمن نطاق التداول المحلي دون أن تتحول إلى قضية رأي عام، وهو ما يعزز حالة التعتيم رغم تكرارها.
البعد العقائدي للاستهداف
تطرح هذه الاعتداءات بعداً عقائدياً يرتبط بالتحولات التي شهدتها سوريا بعد سقوط النظام في 8 ديسمبر 2024، وصعود قوى ذات خلفيات جهادية إلى السلطة.

ففي ظل هذا الواقع، ومع تسجيل مجازر طائفية موثقة بحق العلويين في الساحل والدروز في السويداء، برزت بيئة أكثر تقبلاً لخطاب ديني إقصائي يستهدف الأقليات.

ويُنظر إلى بعض هذه الاعتداءات ضمن تصور عقائدي يعتبر المقامات “بدعاً” أو “مظاهر شرك”، وهو ما يتقاطع مع فتاوى تاريخية يجري استحضارها في السياق الراهن.

كما يظهر ذلك في الخطاب المستخدم، مثل الإصرار على توصيف “النصيريين” بدلاً من “العلويين”، بما يحمل دلالات أيديولوجية تبرر الاستهداف.
تآكل الحريات الدينية واستمرار الانتهاكات
رغم غياب سياسة معلنة تقف خلف جميع هذه الحوادث، فإن استمرارها يعكس مناخاً عاماً يسمح بتمدد هذا النوع من السلوك، سواء عبر مجموعات منظمة أو أفراد.

ومع غياب المحاسبة وضعف التغطية الإعلامية، يتحول البعد العقائدي إلى عامل يعزز استمرارية الظاهرة.
وفي هذا السياق، أشار تقرير اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية لعام 2026 إلى تدهور حاد في أوضاع الحرية الدينية في سوريا خلال عام 2025، مؤكداً أن الأقليات لا تزال تعاني من تداعيات الحرب، وأن السلطات الانتقالية أظهرت تسامحاً مع انتهاكات خطيرة، وأخفقت في منع جرائم القتل والاختطاف والاعتداءات التي استهدفت العلويين والدروز والمسيحيين.
وتعكس هذه المعطيات، وفق ما يخلص إليه تقرير “الحل نت”، نمطاً مستمراً من الاعتداءات على المقامات الدينية، في ظل غياب المساءلة والتوثيق المنهجي، ما يجعلها جزءاً من صراع أوسع على الهوية الدينية وشكل المجال العام في سوريا.

 

اقرأ أيضاً:انتهاكات المقامات الدينية بريف طرطوس تثير غضب الأهالي ومطالبات بالتحقيق الفوري

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.