بث الدوري السوري تحت المجهر.. عقد بملايين الدولارات وأسئلة عن الجودة والرقابة
لم يعد ضعف جودة النقل التلفزيوني للدوري السوري الممتاز وكأس الجمهورية مجرد شكوى متكررة من مشاهدين يبحثون عن صورة أكثر استقراراً، بل تحول إلى ملف يطرح أسئلة أوسع حول العقد الذي منح حقوق البث لشركة “ستوديو فيزيون”، ومدى التزام الجهة الناقلة بالشروط الفنية، وآليات الرقابة التي يفترض أن تحمي حقوق الاتحادات الرياضية والمشاهد والمال العام.
فالعقد المعلن في آذار الماضي يمتد حتى نهاية موسم 2028-2029، بقيمة إجمالية تبلغ 3.81 ملايين دولار، وهو رقم يجعل الحديث عن كاميرا مفقودة أو صورة متقطعة أبعد من مجرد تفصيل تقني.
14 كاميرا في العقد.. وأقل من ذلك على أرض الملعب
بحسب دفاتر شروط المزايدة التي أوردها التحقيق، يفترض أن تستخدم الجهة الناقلة 14 كاميرا ثابتة على الأقل في تغطية المباريات، إلى جانب مواصفات تقنية محددة.
لكن التوثيق الميداني الذي استند إليه التحقيق أظهر استخدام ما بين 7 و9 كاميرات في عدد من المباريات، مع ملاحظات على نوعية بعض المعدات المستخدمة ومدى ملاءمتها للبث الرياضي الاحترافي.
ويشير مختصون في تقنيات النقل التلفزيوني إلى أن استخدام كاميرات صغيرة أو قديمة، إلى جانب أنظمة نقل لاسلكي لا تتناسب مع متطلبات الإنتاج الرياضي، يمكن أن ينعكس مباشرة على جودة الصورة وتزامن اللقطات ومرونة الإخراج.
كما سجلت المباريات تفاوتاً في الألوان والتعريض بين الكاميرات، في حين استخدمت الشركة في بعض عمليات النقل اتصالاً فضائياً بالإنترنت بدلاً من منظومات البث التقليدية، وهو ما قد يفسر جزءاً من مشكلات التقطع والاستقرار التي واجهها الجمهور.
غرامات ينص عليها العقد.. فمن يطبقها؟
ينص العقد، وفق الوثائق التي استند إليها التحقيق، على توجيه إنذار رسمي عند مخالفة المعايير الفنية، ثم فرض غرامة بين 2000 و3000 دولار عن كل مباراة متأثرة في حال عدم تصحيح المخالفة.
وهنا تظهر مسؤولية الاتحادات الرياضية واللجان المشرفة: هل جرى توثيق المخالفات وإرسال الإنذارات واحتساب الغرامات فعلاً، أم أن النصوص بقيت حبراً على الورق؟
فإذا كانت المخالفات الفنية متكررة كما تشير نتائج الرصد، فإن عدم تفعيل الآلية التعاقدية لا يعني فقط ضعفاً في الرقابة، بل قد يعني أيضاً التفريط بحقوق مالية يفترض أن تعود إلى المؤسسات الرياضية.
أسئلة حول الأهلية القانونية والتعاقد من الباطن
تتسع دائرة التساؤلات مع المعلومات المتعلقة بترتيبات الإنتاج والتنفيذ. إذ تحدث التحقيق عن تعاون بين “ستوديو فيزيون” و”Vibes Media Agency” في عمليات النقل والإنتاج، فيما تنص شروط التعاقد على عدم جواز التعاقد من الباطن إلا بعد موافقة الاتحاد وتوافر الشروط القانونية والفنية المطلوبة.
كما أثيرت تساؤلات حول الوضع القانوني لبعض الجهات المشاركة في التنفيذ، ومدى وجود تراخيص وسجلات محلية تمكنها من ممارسة النشاط.
وزارة الرياضة والشباب قالت إن الشركة تملك الأوراق المطلوبة وإن الاستعانة بجهات أخرى لتنفيذ العقد شأن يعود إليها، فيما لم يقدم اتحادا كرة القدم وكرة السلة رداً على الاستفسارات المتعلقة بتفاصيل المخالفات والرقابة عليها.
تضارب مصالح أم مجرد تقاطع في المهام؟
الجزء الأكثر حساسية يتعلق بما أثير عن دور رامي يوسف، مستشار وزير الرياضة والشباب لشؤون كرة السلة، في التواصل مع القناة وتنسيق بعض الملفات المرتبطة بالمعلقين والفنيين.
الوزارة أوضحت أن دوره يقتصر على تقديم تقارير لتطوير مستوى كرة السلة، وأن الاتحاد يحيل تلك التقارير إلى الشركة الناقلة لتحسين جودة البث.
لكن الاتهام هنا لا يكفي وحده لإثبات تضارب مصالح، كما أن النفي لا يحسم المسألة. الفاصل بين الحالتين هو الوثائق، وتحديد طبيعة الصلاحيات، وما إذا كان هناك تدخل مباشر في عمليات يفترض أن تبقى منفصلة عن الجهة الحكومية المشرفة.
جودة البث تكشف أزمة إدارة أوسع
المشكلة في النهاية ليست في عدد الكاميرات وحده. فالمشاهد يدفع من وقته وثقته، والاتحادات تمنح حقوقاً بملايين الدولارات، بينما يفترض بالحكومة السورية الانتقالية أن تضمن وجود بيئة تعاقدية واضحة ورقابة حقيقية على تنفيذ العقود العامة.
وحين تتكرر الشكاوى، وتظهر فجوات بين دفتر الشروط وما ينفذ على أرض الملعب، ثم تتأخر الإجابات الرسمية، تصبح المشكلة أكبر من بث مباراة.
السؤال الذي يبقى أمام وزارة الرياضة والشباب والاتحادات: هل جرى فعلاً بيع حقوق بث بطولة وطنية وفق أعلى معايير الاستثمار والرقابة، أم أن سوريا أعادت إنتاج نموذج قديم بصيغة جديدة، حيث العقد واضح، والشروط مكتوبة، لكن المحاسبة وحدها تبقى خارج إطار النقل المباشر؟
اقرأ أيضاً: الوحدة يتوج بلقب الدوري السوري لكرة السلة للمرة الـ13 في تاريخه بعد حسم سلسلة النهائي أمام أهلي حلب