داريا بعد التحرير.. عودة بطيئة من الركام وسط غياب خطة حكومية لإعادة الإعمار

بعد أكثر من عام ونصف على التحرير، تحاول داريا استعادة إيقاع الحياة من بين أنقاضها. المدينة التي تحمل ذاكرة ثقيلة من الحرب والدمار والتهجير، تستقبل اليوم أبناءها العائدين إلى منازل بعضها لم يعد سوى جدران مهددة بالسقوط، وإلى شوارع ما زالت تبحث عن ملامحها القديمة.

لكن عودة السكان لم ترافقها حتى الآن عودة موازية للدولة بمشاريع واضحة. فالحياة في داريا تتحرك بفضل مبادرات الأهالي والجهود المحلية أكثر مما تستند إلى خطة حكومية متكاملة، فيما تبقى ملفات الإعمار والخدمات والتنظيم العمراني معلقة بين الوعود والانتظار.

عودة بلا إحصاء ولا رؤية واضحة

تشهد داريا حركة عودة متزايدة، خصوصاً من المهجرين في الداخل والخارج، إلا أن غياب الإحصاءات الرسمية يكشف ضعف الإدارة خلال المرحلة الانتقالية. فلا توجد حتى اليوم قاعدة بيانات دقيقة حول أعداد العائدين أو احتياجاتهم الأساسية، ما يجعل أي عملية تخطيط مستقبلية تسير في مساحة ضبابية.

وتشير تقديرات محلية إلى أن عدد سكان المدينة تجاوز مئة ألف نسمة، بعد أن بدأت الحياة تعود تدريجياً إلى أحيائها، لكن هذه العودة بقيت مرتبطة بقدرة السكان على إعادة تأهيل منازلهم وتأمين الحد الأدنى من مقومات السكن.

الركام.. الملف الذي لم يصل إلى طاولة الحل

يبقى الركام أحد أكبر التحديات التي تواجه داريا. فرغم المبادرات الأهلية والمشاريع المحدودة لإزالة الأنقاض وإعادة تدويرها، فإن حجم الدمار يفوق بكثير قدرة الجهود المحلية.

نفذت جهات مدنية وإنسانية مشاريع لإزالة أجزاء من الركام وفتح بعض الطرقات، إلا أن المدينة ما زالت تحتاج إلى برنامج واسع تشارك فيه مؤسسات الدولة بقدراتها، لا إلى حلول جزئية تعالج جزءاً من المشكلة وتترك معظمها قائماً.

ورغم تصريحات حكومية متكررة عن دراسة حلول لمعالجة الملف، لم تظهر حتى الآن خطة تنفيذية شاملة تتناسب مع حجم الدمار الذي تعاني منه المدينة.

إعمار بلا مخطط يهدد مستقبل المدينة

في الوقت الذي يحاول فيه السكان إعادة بناء منازلهم، تواجه داريا مشكلة أخرى تتمثل في غياب مخطط تنظيمي نهائي. فقد أدى التأخر في إقرار المخطط إلى انتشار عمليات بناء فردية ومخالفات عمرانية تهدد شكل المدينة ومستقبلها.

ويحذر الأهالي من توسع البناء العشوائي على حساب الأراضي الزراعية والمساحات الخضراء، ومن إنشاء أبنية لا تراعي قدرة شبكات الخدمات المتهالكة.

وبينما تتبادل الجهات المحلية المسؤولية عن تأخر الملف، يبقى السكان أمام واقع متغير يومياً، حيث تتوسع المخالفات قبل أن تصل الخطة التنظيمية إلى مرحلة التنفيذ.

منطقة الخليج.. انتظار طويل لمصير مجهول

يعد ملف منطقة “الخليج” من أكثر الملفات حساسية في داريا، إذ ينتظر أصحاب العقارات منذ فترة طويلة معرفة مصير ممتلكاتهم وإمكانية إعادة البناء فيها.

ورغم أهمية المنطقة الاستثمارية، يخشى السكان من أن تطغى الحسابات الاقتصادية على البعد الاجتماعي، وأن تتحول حقوق المالكين إلى ملف مؤجل بانتظار مشاريع غير واضحة المعالم.

خدمات منهكة ومدينة تدفع ثمن التأخير

رغم عودة النشاط التجاري وافتتاح بعض المحال، لا تزال الخدمات الأساسية تشكل عائقاً أمام استقرار السكان. فالكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرقات والنظافة جميعها ملفات تحتاج إلى تدخل سريع، بينما يرى الأهالي أن المدينة لا تحصل على مستوى الاهتمام الذي يتناسب مع حجم احتياجاتها.

ويؤكد سكان داريا أن المشكلة لم تعد فقط في نقص الإمكانات، بل في غياب الأولويات الواضحة، إذ تحتاج المدينة إلى خطة إنقاذ متكاملة تعيد تأهيل بنيتها التحتية وتمنع تحولها إلى نموذج جديد للتعافي البطيء.

داريا.. اختبار لقدرة المرحلة الانتقالية

اليوم، تقف داريا أمام اختبار حقيقي للحكومة السورية الانتقالية: هل تستطيع تحويل وعود إعادة الإعمار إلى مشاريع ملموسة، أم ستبقى المدن الأكثر تضرراً رهينة المبادرات الشعبية وانتظار الخطط؟

فالمدينة التي يحاول أهلها بناء مستقبلهم بأيديهم تحتاج إلى أكثر من عودة السكان؛ تحتاج إلى حضور مؤسساتي يوازي حجم الخراب، وإلى رؤية واضحة تمنع أن يتحول الركام المؤقت إلى واقع دائم.

 

اقرأ أيضاً: داريا بين وعود التعافي وواقع الخدمات.. مدينة تحاول النهوض على إيقاع البنية التحتية المنهكة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.