عودة سويفت إلى سوريا لا تكفي.. شبكة المصارف المراسلة ما تزال أضيق من حاجات التجارة

استعادة الاتصال بشبكة “سويفت” لا تعني أن القطاع المصرفي السوري عاد فعلياً إلى النظام المالي الدولي. فالخطوة، رغم أهميتها التقنية، لا تزال منفصلة عن المشكلة الأكثر تعقيداً: بناء شبكة واسعة من المصارف المراسلة المستعدة للتعامل مع المصارف السورية، وفتح قنوات تسوية مستقرة، وإثبات قدرة الجهاز المصرفي على الالتزام بمعايير الامتثال الدولية.

وتكشف المعطيات التي أعلنها مصرف سوريا المركزي أن الانفتاح المصرفي لا يزال محدوداً؛ فأكثر من ستة مصارف سورية فعّلت التحويلات التجارية بالدولار عبر مراسليها، فيما أصبحت معظم المصارف قادرة على إجراء معاملات باليورو، مع تفعيل الدينار الأردني وبدء معالجة مدفوعات بالريال السعودي والدرهم الإماراتي. وهي مؤشرات على تحسن محدود، لكنها لا تكفي وحدها للقول إن سوريا استعادت شبكة مصرفية دولية قادرة على خدمة اقتصاد يحتاج إلى الاستيراد والتصدير والاستثمار.

“سويفت” عادت.. لكن المال لا يتحرك وحده

أوضح حاكم مصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان أن “سويفت” شبكة آمنة لتبادل الرسائل والتعليمات المالية بين المصارف، وليست قناة لتحويل الأموال بحد ذاتها، مشيراً إلى أن التحدي الأساسي يتمثل في إعادة بناء علاقات المراسلة التي توقفت أو جُمّدت، وأن توسيع هذه الشبكة يحتاج إلى أشهر من إجراءات الامتثال والتقييم المتبادل.

وهنا تظهر الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع التشغيلي. فإعادة الاتصال التقني يمكن إعلانها كإنجاز مصرفي واضح، لكن الاقتصاد لا يستفيد من هذا الاتصال ما لم يجد المستورد والمصدر بنكاً أجنبياً مستعداً لتسوية معاملته، وحساباً يمكن تمرير الأموال عبره، ونظاماً رقابياً يمنح الطرف الآخر مستوى مقبولاً من الثقة.

وبذلك، فإن التحدي أمام السلطات النقدية لم يعد في إثبات أن “سويفت” يعمل، بل في تحويل هذه العودة من اتصال تقني إلى شبكة مصرفية قادرة على العمل بصورة منتظمة، وهو ملف لا تحسمه التصريحات بل حجم العلاقات التي تُفتح فعلياً وكلفة التحويل وسرعة التسوية واستمراريتها.

الامتثال.. الاختبار الذي لا يمكن تجاوزه

إعادة بناء المراسلة المصرفية تتطلب أن تثبت المصارف السورية قدرتها على تطبيق قواعد معرفة العملاء، والتحقق من مصادر الأموال، ومراقبة العمليات والإبلاغ عن المعاملات المشبوهة، إلى جانب الحوكمة وإدارة المخاطر والشفافية.

وتزداد صعوبة المهمة مع استمرار سوريا على قائمة “المتابعة المعززة” لدى مجموعة العمل المالي FATF، ما يجعل تطوير منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب جزءاً أساسياً من الطريق نحو توسيع العلاقات المصرفية الدولية.

وهذا يعني أن الحكومة ومصرف سوريا المركزي أمام عمل مؤسسي طويل، لا يمكن اختصاره بفتح حساب هنا أو تفعيل تحويل هناك. فالمصارف الأجنبية لا تبحث فقط عن قناة تقنية، وإنما عن سجل مستقر من الالتزام يمكنها الدفاع عنه أمام أنظمتها الرقابية ومجالس إداراتها.

التجارة تنتظر شبكة أوسع

الأثر الاقتصادي الحقيقي سيظهر عندما تتحول التحويلات من استثناءات وقنوات محدودة إلى خدمة مصرفية منتظمة تخدم المستوردين والمصدرين. عندها فقط يمكن تقليل الاعتماد على الوسطاء والقنوات المكلفة، وتسهيل تسديد قيمة المستوردات وتحصيل عائدات الصادرات، وفتح المجال أمام أدوات تمويل التجارة مثل الاعتمادات المستندية وخطابات الضمان.

أما في المرحلة الحالية، فلا تزال الفائدة محصورة ضمن نطاق ضيق، بينما يبقى الاقتصاد السوري بحاجة إلى شبكة أوسع من المراسلين وإلى قنوات متعددة للعملات والأسواق.

ولا ينبغي أيضاً تحميل عودة التحويلات أكثر مما تحتمل؛ فهي قد تخفف تكاليف الدفع والتسوية، لكنها لن تخفض أسعار السلع تلقائياً، ما لم تتراجع في الوقت نفسه تكاليف الاستيراد والشحن والتأمين والتمويل وتستقر سوق القطع الأجنبي.

المطلوب أكثر من إعلان مصرفي

المشكلة الأساسية أن إعادة الاندماج المالي تحتاج إلى سياسة مصرفية واضحة ومستمرة، فيما لا تزال الخطوات الحالية تبدو أقرب إلى استعادة قنوات منفردة من بناء منظومة متكاملة.

ومن هنا، فإن نجاح المرحلة المقبلة لا يقاس بعودة “سويفت” وحدها، بل بعدد المصارف المراسلة التي يمكن الحفاظ عليها، وحجم التجارة التي تمر عبر النظام الرسمي، وكلفة التحويل، ومدة التسوية، وعدد العملات المتاحة، وقدرة المصارف السورية على اجتياز اختبارات الامتثال المتكررة.

فإذا بقيت شبكة المراسلين محدودة، ستظل “سويفت” أقرب إلى بوابة مفتوحة على الورق منها إلى طريق مالي واسع. أما تحويلها إلى أداة تخدم التجارة والاستثمار فعلياً، فيتطلب من الحكومة والمصرف المركزي إصلاحاً مصرفياً عميقاً، وامتثالاً قابلاً للاختبار، وشفافية مؤسسية، وعلاقات دولية قادرة على الاستمرار، لا مجرد الإعلان عن عودة الاتصال بالشبكة.

 

اقرأ ايضاً: مجلة أمريكية: اقتصاد سوريا بعد الأسد.. صدمة الأسعار تسبق التعافي وتضع الحكومة أمام أزمة معيشية متفاقمة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.