السوريون في العراق أمام كلفة العودة.. سكن مفقود وعمل غائب وبلد لا يملك مقومات الاستقبال

مع اقتراب كل عام دراسي، يعود السؤال نفسه إلى آلاف السوريين في العراق: هل يبقون حيث تمكنوا من تأمين الحد الأدنى من الاستقرار، أم يعودون إلى بلد لا يزال عاجزاً عن توفير السكن والعمل والخدمات لجزء كبير من العائدين؟

بالنسبة إلى حسام ماغوني، لم تكن العودة قراراً عاطفياً بسيطاً. فبين إرسال أطفاله إلى المدرسة في بغداد أو العودة إلى حلب، وجد نفسه أمام حسابات قاسية: منزل مدمر، وإيجارات مرتفعة، وفرص عمل محدودة، ودخل لا يسمح له ببدء حياة جديدة.

وتشير أحدث أرقام مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى عودة نحو 1.8 مليون سوري إلى البلاد منذ 8 كانون الأول 2024، بينهم أكثر من 41 ألفاً من العراق. لكن ضخامة الرقم لا تعني أن العودة أصبحت خياراً متاحاً لمعظم اللاجئين؛ إذ أظهر استطلاع للمفوضية في العراق أن 2% فقط كانوا يعتزمون العودة خلال 2026، مقابل أكثر من نصف المستطلعين الذين أبدوا اهتماماً بالعودة خلال السنوات الخمس المقبلة.

العودة تصطدم بالسكن والعمل

تكشف أسباب التردد عن فجوة واسعة بين الرغبة في العودة والقدرة عليها. فقد تصدرت المخاوف الأمنية أسباب عدم العودة، تلتها الظروف الاقتصادية وغياب فرص العمل، ثم فقدان السكن وتضرر المنازل وضعف الخدمات.

هذه العوامل لا تبدو منفصلة عن بعضها. فحسام، الذي دُمر منزله في حي السكري بحلب، يواجه كلفة ترميم تتجاوز 10 آلاف دولار، فيما يصل إيجار منزل في المنطقة إلى نحو 250 دولاراً شهرياً. وبالنسبة إلى حارس ليلي بالكاد يغطي نفقات عائلته، تصبح العودة انتقالاً من لجوء مكلف إلى إقامة أكثر كلفة.

وتتكرر المعادلة لدى حسين هويدي، اللاجئ من دير الزور والمقيم في أربيل، الذي يحصل على نحو 800 دولار شهرياً من عمله في مطعم، بينما يرى أن العمل نفسه في سوريا قد لا يوفر له أكثر من 300 دولار. لذلك يفضل إبقاء قرار العودة مؤجلاً إلى حين التأكد من إمكانية العثور على دخل يتيح له تأمين السكن والنفقات الأساسية.

العراق يضيف سبباً آخر للتردد

في المقابل، لا تبدو إقامة السوريين في العراق مستقرة دائماً. فاختلاف أوضاعهم القانونية، وارتفاع تكاليف الإقامات، ومخاطر الترحيل لمن لا يملك وثائق نظامية، إضافة إلى حوادث الاعتداء والمضايقات التي طالت بعض السوريين، دفعت آخرين إلى التفكير بالعودة.

وتروي شهادات لاجئين حالات توقيف وتفتيش ومساءلة على خلفية الجنسية أو وضع الإقامة. كما وثقت منظمات حقوقية عراقية ودولية في فترات سابقة حالات احتجاز وترحيل أثارت مخاوف بشأن ضمانات الحماية القانونية.

لكن خروج السوري من العراق لا يعني بالضرورة دخوله إلى بيئة قادرة على استقباله. وهذه هي المفارقة الأكثر قسوة في ملف العودة: البلد المضيف قد يصبح أكثر صعوبة، بينما لا تزال البدائل داخل سوريا غير مكتملة.

العودة نفسها تحتاج إلى المال

حتى قرار المغادرة ليس مجانياً. فبعض السوريين يواجهون غرامات مرتبطة بانتهاء الإقامة أو الدخول غير النظامي، فيما ترتبط العودة الطوعية في بعض الحالات بإجراءات ووثائق تمنع صاحبها من العودة إلى العراق لاحقاً.

وتحدثت شادية المحمود عن دفعها غرامة بلغت 500 ألف دينار عراقي قبل عودتها إلى حماة، بعد وفاة زوجها وعدم وجود معيل لها. أما أصحاب الإقامات المنتهية، فتترتب عليهم غرامات يومية قد تصل إلى سقوف مرتفعة، فيما يواجه الداخلون بصورة غير نظامية غرامات أخرى قبل تسوية أوضاعهم.

وهكذا تتحول العودة من قرار يفترض أن يكون طوعياً إلى عملية تحتاج إلى قدرة مالية وإجراءات قانونية، في وقت يعيش فيه كثير من اللاجئين أصلاً على دخول محدودة.

الحكومة السورية أمام الجزء الأصعب

المشكلة الأعمق أن ملف العودة لا يمكن أن يُدار بالأرقام وحدها. فكل عائد يحتاج إلى منزل أو إيجار محتمل، وفرصة عمل، ومدرسة لأطفاله، وكهرباء وماء ونقل وخدمات صحية، فضلاً عن قدرة اقتصادية تسمح له بإعادة بناء حياته.

وبقاء هذه الملفات من دون معالجة متكاملة يجعل الحديث عن عودة اللاجئين منفصلاً عن شروط العودة الفعلية. فالحكومة السورية مطالبة بتحويل العودة من مجرد حركة سكانية إلى سياسة متكاملة، تبدأ بإعادة تأهيل المناطق المتضررة، وتوفير السكن وفرص العمل، وضمان الخدمات، وتقديم حوافز اقتصادية حقيقية للعائدين.

وإلا سيبقى كثير من السوريين أمام معادلة مغلقة: العراق ليس مستقراً بما يكفي للبقاء، وسوريا ليست مهيأة بما يكفي للعودة. وبين الخيارين، يطول الانتظار وتستمر حياة اللجوء، فيما يتحمل اللاجئ وحده كلفة بلدين لا يقدمان له طريقاً واضحاً إلى الاستقرار.

 

اقرأ ايضاً: مساعدات اللاجئين السوريين في الأردن تتوقف.. العودة إلى سوريا ليست خياراً

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.