موسم المونة في سوريا: إرث اجتماعي متوارث يتحدى الضغوط الاقتصادية وتبدلات الزمن
مع بداية الصيف وحلول شهر آب/أغسطس من كل عام، تشهد البيوت السورية استنفاراً لطيفاً يعلن انطلاق موسم إعداد المونة المنزلية. تبدأ ربات المنازل سباقاً سنوياً لاستثمار وفرة الخضروات الصيفية وانخفاض أسعارها مقارنة ببقية أشهر السنة، في المشهد الذي تتناقله النساء جيلاً بعد جيل استعداداً لبرد الشتاء.
ولا تقتصر أهمية المونة على حفظ الأطعمة أو توفير احتياجات العائلات الكبيرة وتخفيف الأعباء المعيشية فحسب، بل تمثل قيمة اجتماعية ورمزية ترتبط بذاكرة المنزل والجودة والنظافة.
بين الماضي والحاضر: كيف تغيرت طقوس المونة؟
تستعيد صباح يوسف (70 عاماً)، من مدينة القامشلي شمال شرقي سوريا، ذكريات تجهيز المونة التي كانت تبدأ منذ أوائل الصيف وتشمل معظم احتياجات المنزل.
وتوضح خلال حديثها لموقع ”963+” أن تحضير الأصناف كالملوخية، الكوسا، البامية، الفليفلة الحمراء، رب البندورة، والمخللات، إلى جانب تنظيف القمح والبرغل والعدس، كان اعتمد كلياً على أشعة الشمس والهواء لعدم توفر وسائل التبريد الحديثة آنذاك.
أسباب تراجع الكميات وتغير الخارطة الاستهلاكية:
-
ارتفاع التكاليف والأسعار: تؤكد صباح أن ضعف القدرة الشرائية أجبر الكثير من الأسر على تقليص الكميات المُعدة إلى أقل من النصف.
-
الاعتماد على الأساسيات: دفعت الظروف الاقتصادية العائلات للاستغناء عن المربيات والمجففات الثانوية والإبقاء على المواد الرئيسية فقط.
دمج الأساليب التقليدية بالتقنيات الحديثة
رغم التغيرات، ما تزال المونة جزءاً لا يتجزأ من البيوت السورية. وفي هذا السياق، توضح ابنتها ابتسام عبد الرحمن (45 عاماً)، ربة منزل من مدينة عامودا، أنها تعتمد على مزيج من الطرق التقليدية والحديثة للتكيف مع إيقاع الحياة السريع:
-
الطرق التقليدية: تجفيف الكوسا والملوخية تحت الشمس للحفاظ على نكهتها الأصلية.
-
الطرق الحديثة: استخدام المجمدات (الفريزر) لتفريز الفاصولياء، البازلاء، السبانخ، وتقسيم صلصة البندورة في عبوات جاهزة للطبخ.
صلة وصل بين الأجيال وذاكرة حية
من جانبها، ترى الشابة ربا (29 عاماً) أن إعداد المونة يمثل رابطاً عاطفياً يربطها بوالدتها وجدتها أكثر من كونه مجرد وسيلة لتخزين الطعام.
وتشير ربا إلى أنها تستخدم أدوات أسهل لتجهيز الكميات، مثل المجففات الكهربائية وأكياس التفريغ الهوائي، مؤكدة أنه على الرغم من توفر المنتجات في الأسواق طوال العام، فإن إعداد الأصناف الرئيسية في المنزل يظل حفظاً لطعم البيت وذاكرة العائلة التي لا تضيع.
يتكيف موسم المونة السوري مع تغيرات الزمن والظروف الاقتصادية، وبين أساليب الجدات وتقنيات البنات، يظل هذا الإرث ملمحاً أصيلاً يعبر عن قدرة المجتمع على التكيف والصمود.
إقرأ أيضاً: مشاريع المونة المنزلية: فرصة مربحة وراحة لربات البيوت
إقرأ أيضاً: حلب: المونة المنزلية تتحول إلى مصدر رزق موسمي لفاقدات المعيل