صناعة درعا بين تراخيص جديدة ومصانع معطّلة.. الكهرباء والقرارات الحكومية تكبّل الإنتاج
منحت مديرية الصناعة في درعا 88 ترخيصاً وقرار تأسيس لمنشآت صناعية وحرفية خلال النصف الأول من عام 2026، ضمن 439 معاملة وإجراء أنجزتها خلال الفترة نفسها. لكن حركة المعاملات لا تعني بالضرورة توسع الإنتاج؛ فالمحافظة التي تمتلك موقعاً تجارياً مهماً وموارد زراعية قابلة للتصنيع، ما تزال تواجه كلفة مرتفعة للطاقة، وتعقيدات في تنظيم الأراضي، ومنشآت متوقفة تنتظر حلولاً تسمح لها بالعودة إلى العمل.
وتكشف هذه المفارقة خللاً في أولويات السياسة الصناعية: تسهيل تأسيس المشاريع لا يكفي إذا بقي تشغيلها مكلفاً، وإذا كانت المنشآت القائمة عاجزة عن استثمار آلاتها ورؤوس أموالها. فالصناعة لا تنمو بعدد التراخيص وحده، بل ببيئة تضمن استقرار الكهرباء ووضوح التشريعات وسرعة الإجراءات.
مئات المعاملات.. وأسئلة عن الإنتاج الفعلي
قال مدير الصناعة في درعا، خالد العتمة، إن المديرية أنجزت 439 معاملة خلال ستة أشهر، بينها 272 شهادة وإفادة صناعية وحرفية، و88 ترخيصاً وقرار تأسيس، و27 تعديلاً هيكلياً، إضافة إلى 26 حالة إعفاء وتسهيل جمركي.
وتشير هذه الأرقام إلى نشاط إداري، لكنها لا توضح وحدها عدد المنشآت التي دخلت الإنتاج فعلياً، أو فرص العمل التي أُحدثت، أو حجم الاستثمارات التي تحولت إلى خطوط تشغيل. وهذه مؤشرات أكثر أهمية لقياس التعافي الصناعي من الاكتفاء بإحصاء المعاملات المنجزة.
وتملك درعا مقومات لتطوير الصناعات الغذائية والتحويلية، بفضل إنتاجها من البطاطا والبندورة والبقوليات والزيتون، فضلاً عن قربها من معبر نصيب والطريق الدولي بين دمشق وعمان. غير أن تحويل هذه المزايا إلى قيمة اقتصادية يحتاج إلى بنية إنتاجية وتمويل وخدمات مستقرة، لا إلى خطط تبقى رهينة الإجراءات.
مدينة صناعية في النجيح.. والعقبات تسبق التنفيذ
تدرس الجهات الحكومية إنشاء مدينة صناعية متكاملة في منطقة النجيح، تضم صناعات غذائية وتحويلية وخدمات لوجستية. لكن المشروع ما يزال في مرحلة الدراسة، فيما يواجه المستثمرون صعوبات في تغيير الصفة التنظيمية للأراضي من زراعية إلى صناعية.
وتطالب غرفة تجارة وصناعة درعا بتسريع المشروع، وتفعيل المناطق الصناعية والحرفية القائمة، وتوفير قروض ميسرة وحوافز للصناعات الصغيرة والمتوسطة والصادرات. وهي مطالب تعكس فجوة بين الحديث عن جذب الاستثمار وبين الشروط العملية اللازمة لقيامه.
كما يواجه الصناعيون ارتفاع تكاليف الكهرباء والمحروقات، ويطالبون بتغذية كهربائية أكثر استقراراً وأسعار طاقة تناسب النشاط الإنتاجي. وفي ظل هذه الأعباء، قد يتحول الاستثمار الجديد إلى مخاطرة إضافية، فيما تتراجع قدرة المنشآت القائمة على المنافسة والاستمرار.
مصنع متوقف يكشف كلفة القرارات
تتجسد المشكلة في منشأة لتصنيع وتجميع الدراجات النارية في مدينة طفس، يقول صاحبها ماهر الصلخدي إن رأسمالها يتجاوز ملياري ليرة، وإن قيمة آلاتها ومعداتها تقارب نصف مليون دولار، لكنها متوقفة منذ عدة أشهر.
ويربط الصلخدي التوقف بقرار تنظيمي يتعلق بتصنيع وتجميع الدراجات النارية، معتبراً أن القيود المفروضة لا تلبي احتياجات السوق المحلية، ولا سيما المزارعين الذين يحتاجون إلى دراجات بمحركات أكبر من السعة المشمولة بالقرار. ويقول إنه ما زال يتحمل أعباء مرتبطة بالعمال والتأمينات رغم توقف الإنتاج.
ولا تكفي هذه الحالة وحدها للحكم على أثر القرار في القطاع بأكمله، لكنها تطرح سؤالاً جوهرياً عن كيفية إعداد القرارات الصناعية ومدى مراعاتها احتياجات السوق والمنشآت القائمة قبل تطبيقها.
وتحتاج درعا اليوم إلى ما يتجاوز منح التراخيص ودراسة المدن الصناعية: معالجة كلفة الطاقة، وتبسيط الإجراءات، وتوضيح التشريعات، ومراجعة القرارات التي تعطل الإنتاج، مع نشر بيانات تقيس التشغيل الفعلي والاستثمار وفرص العمل. أما استمرار الفجوة بين الخطط والواقع، فيعني أن المحافظة قد تمتلك مقومات صناعية واعدة، بينما تبقى طاقتها الإنتاجية محاصرة بأعباء كان يفترض بالسياسات الحكومية أن تخففها، لا أن تتركها تتراكم.
اقرأ أيضاً: الصناعة السورية أمام كلفة الإنتاج وضعف التمويل.. مقومات كثيرة وسياسة لا تزال تبحث عن طريقها