مرضى السرطان في سوريا بين العلاج المجاني وتكاليف الأدوية والنقل والإقامة
يواجه مرضى السرطان في سوريا أعباء مالية متزايدة تجعل رحلة العلاج تحدياً يومياً للمرضى وعائلاتهم، في ظل ارتفاع تكاليف الأدوية والفحوصات والتنقل والإقامة، رغم توفير الجرعات العلاجية مجاناً في عدد من المشافي الحكومية. ومع تراجع القدرة الشرائية وغياب مصادر الدخل لدى بعض المرضى، تتحول النفقات الإضافية إلى عائق قد يهدد استمرارية العلاج والوصول إلى الرعاية الطبية اللازمة.
ولا تقتصر معاناة المرضى على تأمين العلاج الأساسي، بل تمتد إلى تكاليف الأدوية المساندة والتحاليل الدورية والفحوصات المتقدمة، فضلاً عن السفر إلى المراكز الطبية المتخصصة، ولا سيما في دمشق، والإقامة فيها عند الحاجة إلى مراجعات متكررة.
العلاج المجاني لا يعفي مرضى السرطان من النفقات الإضافية
في طرطوس، يحاول عامر، المصاب بسرطان الرئة، مواصلة علاجه رغم ظروفه المالية الصعبة، بعدما فقد قدرته على العمل في ورشة للكهرباء بسبب وضعه الصحي، من دون أن يمتلك دخلاً ثابتاً يساعده على تغطية نفقات المرض.
وقال عامر لصحيفة «الأخبار» إنه يحصل على الجرعات العلاجية مجاناً من وزارة الصحة، لكنه يضطر إلى شراء مادة دوائية مركبة ومرافقة للعلاج، تبلغ تكلفتها نحو مليون و400 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل قرابة 100 دولار أميركي.
وتزداد صعوبة الوضع لأن هذه المادة ليست نفقة لمرة واحدة، إذ يحتاج إلى شرائها أحياناً مرتين في الشهر، بمعدل مرة كل 20 يوماً، ما يفرض عليه أعباء مالية متكررة تفوق إمكاناته.
وتكشف حالة عامر الفجوة بين توفير الجرعات الأساسية مجاناً وتأمين جميع الأدوية والمستلزمات التي يحتاج إليها المريض، إذ لا تضمن مجانية العلاج الأساسي بالضرورة القدرة على استكمال الخطة العلاجية من دون عوائق مالية.
تكاليف العلاج تحرم مرضى من متابعة الرعاية الطبية
في إحدى قرى ريف حماة، يواجه محمد، المصاب بسرطان الفم، صعوبات كبيرة في متابعة علاجه بسبب ارتفاع التكاليف ومحدودية إمكاناته المالية.
وأمام عجزه عن تحمل نفقات التنقل إلى المراكز الطبية وما تتطلبه رحلة العلاج من أدوية وفحوصات ومراجعات، بات مضطراً إلى البقاء في قريته، وسط مخاوف من تدهور وضعه الصحي.
ولا تقتصر معاناة محمد على الأعباء المالية، إذ قد يؤثر سرطان الفم في قدرته على تناول الطعام والتحدث بصورة طبيعية، فضلاً عن الآلام والمضاعفات التي قد ترافق المرض، ما يجعل المتابعة الطبية أمراً بالغ الأهمية.
ولخصت والدته حجم المعاناة بقولها لصحيفة «الأخبار» إن «الموت أقل كلفة من العلاج»، في تعبير عن اليأس الذي وصلت إليه الأسرة نتيجة عدم قدرتها على تأمين تكاليف الرعاية اللازمة لابنها.
وتسلط هذه الحالة الضوء على التحديات التي تواجه المرضى محدودي الدخل، عندما تتحول تكاليف العلاج إلى عائق أمام الوصول إلى الخدمات الطبية واستمرار المتابعة.
فحوصات السرطان والمواصلات تزيد الأعباء المالية
تتجاوز تكاليف علاج السرطان أسعار الأدوية، لتشمل الفحوصات والتحاليل الدورية التي يحتاج إليها المرضى قبل جلسات العلاج وأثناءها، بهدف تقييم حالتهم الصحية ومتابعة الاستجابة للعلاج.
وتزداد النفقات عند الحاجة إلى فحوصات تصوير متقدمة، مثل التصوير بالرنين المغناطيسي والطبقي المحوري، التي قد تصل تكلفة بعضها إلى مئات الدولارات، بحسب نوع الفحص والجهة التي تقدمه.
ويواجه المرضى القادمون من المحافظات عبئاً إضافياً يتمثل في تكاليف السفر إلى المراكز الطبية المتخصصة، خصوصاً في دمشق، حيث يقصدها مرضى من مناطق مختلفة لتلقي العلاج.
ولا يكون النقل العام مناسباً لجميع الحالات، ولا سيما المرضى الذين يعانون ضعفاً شديداً أو آثاراً جانبية للعلاج، ما يضطر بعض العائلات إلى استخدام سيارات خاصة بتكاليف أعلى.
وبذلك، تتحول كل مراجعة طبية إلى سلسلة من المصروفات التي تشمل النقل والفحوصات والأدوية، وقد تتكرر هذه النفقات مع كل جلسة علاج أو موعد طبي.
الإقامة في دمشق تضاعف معاناة المرضى القادمين من المحافظات
تمثل تكاليف الإقامة تحدياً إضافياً لمرضى السرطان الذين يضطرون إلى السفر من محافظاتهم إلى دمشق، خصوصاً عندما تتطلب الخطة العلاجية البقاء في العاصمة يومين أو ثلاثة، أو العودة إليها خلال فترات متقاربة.
وبحسب إفادات مرضى وعائلاتهم، تتراوح أسعار الغرف الفندقية المتواضعة بين 30 و120 دولاراً لليلة الواحدة، وهي مبالغ تثقل كاهل الأسر محدودة الدخل، ولا سيما عند تكرار الزيارات الطبية.
ويتمكن بعض المرضى من الإقامة لدى أقارب أو معارف في دمشق، لكن هذا الخيار لا يتوافر للجميع، ما يضطر عائلات أخرى إلى تحمل تكاليف الفنادق أو البحث عن أماكن أقل كلفة.
ومع تكرار المواعيد والجلسات العلاجية، تتراكم نفقات السفر والإقامة، لتشكل عبئاً مالياً طويل الأمد يتجاوز أحياناً قدرة الأسرة على التحمل.
علاج الأطفال من السرطان يثقل كاهل العائلات
تظهر الأعباء المالية بوضوح في حالة الطفلة إيمان، التي تتلقى العلاج في مشفى البيروني المتخصص بالأورام في دمشق، بحسب ما رواه والدها لصحيفة «الأخبار».
وأوضح والد الطفلة أن الجرعات العلاجية كانت تُقدم مجاناً، لكنه اضطر إلى شراء أدوية إضافية يحتاج إليها المرضى بعد العلاج الكيميائي والإشعاعي، فضلاً عن تكاليف التنقل من اللاذقية إلى دمشق والإقامة عند الضرورة.
ولأن الأسرة لا تملك أقارب في العاصمة يمكنها الإقامة لديهم، تضطر أحياناً إلى حجز غرفة فندقية لمدة يومين أو ثلاثة، تبعاً لمدة العلاج والحالة الصحية للطفلة.
وبحسب إفادة والدها، تصل تكلفة الرحلة الواحدة إلى نحو 100–120 دولاراً، تشمل المواصلات والإقامة والأدوية، في حين يبلغ راتبه الشهري نحو 100 دولار، باعتباره موظفاً في وزارة النقل.
وهذا يعني أن رحلة علاج واحدة قد تستهلك راتبه الشهري كاملاً أو تتجاوزه، من دون احتساب بقية النفقات المعيشية للأسرة أو أي تكاليف طبية إضافية.
وتوضح هذه الحالة أن توفير العلاج الأساسي مجاناً لا يكفي وحده لضمان استمرارية الرعاية، خصوصاً للأطفال الذين يحتاجون إلى متابعة متخصصة، ما لم تتوافر مساعدات تخفف تكاليف الأدوية والنقل والإقامة.
نقص العلاجات الحديثة يحد من خيارات مرضى السرطان
إلى جانب التكاليف اليومية، يواجه مرضى السرطان في سوريا صعوبات في الحصول على بعض العلاجات الحديثة، ولا سيما الأدوية الموجهة والعلاجات المناعية التي تُستخدم في حالات محددة وفق نوع الورم وخصائصه الطبية.
وبحسب مصدر في وزارة الصحة السورية تحدث لصحيفة «الأخبار»، فإن هذه العلاجات تكاد تكون غائبة عن معظم المراكز الحكومية بسبب ارتفاع تكلفتها وصعوبات الاستيراد، ما يحد من قدرة المرضى على الوصول إليها.
وتتطلب هذه الأدوية، في كثير من الحالات، مبالغ مالية كبيرة تفوق إمكانات الأسر، الأمر الذي يدفع بعض المرضى إلى البحث عنها في السوق الخاصة أو تأجيل العلاج إلى حين تأمين تكلفته.
وتثير هذه الصعوبات مخاوف بشأن قدرة المرضى على الحصول على العلاج المناسب في الوقت المطلوب، خصوصاً أن اختيار الدواء يعتمد على نوع الورم ومرحلته والحالة الصحية للمريض، ولا يمكن استبدال علاج بآخر من دون تقييم طبي متخصص.
كم عدد الإصابات الجديدة بالسرطان في سوريا سنوياً؟
كشفت وزارة الصحة السورية عن تسجيل ما بين 17 ألفاً و20 ألف إصابة جديدة بالسرطان سنوياً في البلاد، مشيرة إلى أن هذه المعدلات تتقارب مع النسب العالمية، ولا تعكس، وفق توضيحاتها، زيادة فعلية في انتشار المرض.
وبحسب أحدث البيانات التي أوردتها الوزارة، يتصدر سرطان الثدي قائمة الأورام الأكثر شيوعاً في سوريا، يليه سرطان الرئة، ثم سرطانات الرأس وعنق الرحم.
أما بين الأطفال، فتشير البيانات الطبية إلى تسجيل نحو 1100 إصابة جديدة بالسرطان سنوياً، معظمها من سرطانات الدم، ولا سيما اللوكيميا، إلى جانب تسجيل إصابات في أعمار مبكرة بأنواع أخرى، من بينها سرطان الغدة الدرقية.
وتبرز هذه الأرقام حجم الحاجة إلى خدمات تشخيص وعلاج مستدامة، تضمن وصول المرضى إلى الرعاية الطبية والأدوية والفحوصات اللازمة، بعيداً عن العوائق المالية التي قد تحول دون استكمال العلاج.
دعم مرضى السرطان في سوريا يتطلب حلولاً تتجاوز مجانية الجرعات
تكشف شهادات المرضى وعائلاتهم أن أزمة علاج السرطان في سوريا لا ترتبط بتوفير الجرعات الأساسية وحدها، بل تشمل منظومة متكاملة من النفقات التي تبدأ بالأدوية المساندة والفحوصات، وتمتد إلى المواصلات والإقامة وتكاليف المتابعة الدورية.
وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، تصبح هذه المصروفات عبئاً قد يدفع بعض المرضى إلى تأجيل المراجعات أو العجز عن استكمال العلاج، ما يبرز أهمية تعزيز الدعم الصحي والاجتماعي، وتخفيف الأعباء عن الأسر الأكثر هشاشة.
وتبقى القدرة على تأمين العلاج المناسب واستمراره تحدياً أساسياً أمام مرضى السرطان في سوريا، في وقت يحتاج فيه المرضى إلى رعاية متواصلة تراعي ظروفهم الصحية والمالية، وتضمن ألا تتحول تكاليف الوصول إلى المستشفى إلى عائق أمام العلاج.
إقرأ أيضاً: مرضى السرطان في سوريا بين عناء العلاج وتكاليف السفر والإقامة في دمشق
إقرأ أيضاً: أطباء حلب يطالبون بحماية المهنة.. أخطاء واعتداءات تكشف هشاشة القطاع الصحي