أسعار المحروقات في سوريا.. كيف تنتقل الزيادة من الوقود إلى كلفة المعيشة؟
لم يعد تعديل أسعار المحروقات في سوريا مرتبطاً بسعر ليتر الوقود وحده، بعدما بدأت انعكاساته تظهر في النقل والإنتاج والزراعة والخدمات، بالتزامن مع توجه الحكومة نحو آلية أكثر مرونة في تسعير المشتقات النفطية.
وفي آخر تعديل للأسعار، ارتفع سعر ليتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة سورية جديدة، بزيادة تقارب 40%، فيما صعد بنزين 90 من 147 إلى 185 ليرة، وبنزين 95 من 152 إلى 195 ليرة. وربطت الحكومة القرار بارتفاع كلفة تأمين المشتقات النفطية في الأسواق العالمية، إلى جانب توقف مصفاة بانياس لإجراء عمرة تستمر نحو شهرين.
لكن تأثير القرار لا يتوقف عند محطات الوقود. فارتفاع كلفة الطاقة ينعكس، بدرجات مختلفة، على النقل والإنتاج وأسعار السلع والخدمات، ما يطرح سؤالاً أوسع حول قدرة دخول السوريين على مواكبة هذه التغيرات.
من سعر المازوت إلى كلفة الإنتاج
يرى الكاتب والباحث الاقتصادي خالد الحمدي، في حديث لموقع “963+”، أن أثر رفع أسعار المحروقات يتجاوز قيمة الزيادة المباشرة، لأن الوقود يدخل في مراحل متعددة من دورة الإنتاج والتوزيع.
ويقول الحمدي إن ارتفاع سعر المازوت ينتقل من كلفة النقل إلى الإنتاج، ثم إلى أسعار الجملة والتجزئة، وصولاً إلى القدرة الشرائية للمستهلك. فالمزارع يحتاج إلى الوقود لتشغيل الآليات والري ونقل المحاصيل، بينما يعتمد التاجر عليه في نقل البضائع، وتستخدمه المنشآت الصناعية في التشغيل أو التدفئة أو توليد الطاقة.
ولا يعني ارتفاع سعر المازوت بنسبة 40%، بحسب الحمدي، أن أسعار جميع السلع والخدمات سترتفع بالنسبة نفسها، إذ تختلف درجة التأثر من قطاع إلى آخر تبعاً لحصة الطاقة والنقل في التكلفة النهائية لكل سلعة.
ويشير إلى أن أصحاب الدخول الثابتة، من موظفين وعمال ومتقاعدين، يواجهون تعرضاً أكبر لهذه الضغوط، نتيجة صعوبة ارتفاع دخولهم بالسرعة نفسها التي ترتفع بها تكاليف المعيشة.
وبدأت انعكاسات القرار تظهر في قطاع النقل، مع حديث عن زيادة تعرفة سيارات الأجرة، إلى جانب احتجاجات ووقف جزئي لعمل بعض سائقي النقل العام في مناطق من الحسكة والرقة ودير الزور.
تثبيت الخبز لا يوقف ارتفاع كلفة المعيشة
أبقت الحكومة سعر الخبز المدعوم من دون تغيير، وهو ما يخفف أثر الزيادة على واحدة من السلع الأساسية، لكنه لا يمنع ارتفاع بقية مكونات الإنفاق اليومي.
ويعتبر الحمدي أن تثبيت سعر الخبز خطوة مهمة، لكنه لا يعالج التضخم بمفرده، لأن ثبات سعر ربطة الخبز لا يعني ثبات كلفة المعيشة.
ويشرح أن المواطن قد يستمر في مواجهة ارتفاع الأسعار حتى مع بقاء الخبز المدعوم عند سعره الحالي، إذا ارتفعت أجور النقل وأسعار الخضار والمنتجات الزراعية، إلى جانب تكاليف نقل الطحين والبضائع والخدمات، فضلاً عن أسعار الخبز غير المدعوم.
وبذلك، فإن تثبيت سعر الخبز يحد من أثر التضخم في سلعة محددة، لكنه لا يمنع انتقال ارتفاع كلفة الطاقة إلى قطاعات أخرى.
مرونة أسعار الوقود مقابل ثبات الدخول
تتجه الحكومة إلى اعتماد تسعير أكثر مرونة للمحروقات، بما يسمح بمراعاة كلفة الاستيراد والإنتاج والتغيرات في الأسواق.
ولا يعتبر الحمدي أن تثبيت الأسعار إلى أجل غير محدد يمثل حلاً اقتصادياً، إذ يمكن أن يؤدي، بحسب رأيه، إلى عجز مالي أو نقص في المواد أو توسع السوق السوداء. لكنه يرى في المقابل أن المشكلة تظهر عندما تطبق المرونة على أسعار الوقود وحدها، بينما تبقى دخول المواطنين ثابتة.
ويقترح في هذا السياق ما يسميه “حزمة حماية من صدمة الطاقة”، تشمل تسعيراً مرناً ومتدرجاً، ودعماً موجهاً، وإجراءات لحماية النقل العام والإنتاج الزراعي والمنشآت الصغيرة.
ويشدد الحمدي على ضرورة التعامل مع قرار أسعار المحروقات ضمن حزمة اقتصادية أوسع تشمل الأجور والنقل والزراعة والخبز والصناعة والحماية الاجتماعية، بدلاً من التعامل معه كقرار منفصل.
ويرى أن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بارتفاع سعر الوقود، بل بمدى قدرة المواطن على تحمل الزيادة، معتبراً أن مرونة أسعار الطاقة يفترض أن تترافق مع سياسات أكثر مرونة في الأجور والحماية الاجتماعية ودعم الإنتاج.
كلفة الاستيراد وآلية احتساب السعر
إلى جانب آثار القرار على الأسواق، يطرح رفع أسعار المحروقات سؤالاً آخر يتعلق بالمعايير التي استندت إليها عملية التسعير.
ويقول الكاتب في الاقتصاد السياسي الدكتور بيير خوري لـ“963+” إن الزيادة الأخيرة تفتح نقاشاً حول مكونات الكلفة وآلية تحديد السعر ومدى انتقال التغيرات في الأسواق العالمية إلى السعر النهائي للمستهلك.
وتربط الحكومة القرار بارتفاع كلفة تأمين المشتقات النفطية عالمياً، إضافة إلى توقف مصفاة بانياس لإجراء عمرة تستمر نحو شهرين.
ويعتبر خوري أن عمرة المصفاة عامل محدد زمنياً، خصوصاً أن الهدف منها رفع الطاقة التشغيلية من نحو 80 ألف برميل يومياً إلى حوالي 130 ألف برميل، أي بزيادة تقارب 50 ألف برميل يومياً.
أما بالنسبة إلى تكاليف الشحن والتأمين العالمية، فيرى خوري أن تقييم تأثيرها الفعلي على السعر المحلي يحتاج إلى نشر تفاصيل إضافية حول مكونات هذه التكاليف.
وبحسب ما أعلنته وزارة الطاقة، تحتاج سوريا إلى نحو 300 ألف برميل يومياً من النفط ومشتقاته، مقابل إنتاج محلي من الخام يبلغ نحو 100 ألف برميل يومياً، ما يجعل جزءاً من الاحتياجات معتمداً على الاستيراد. كما أشارت الوزارة إلى أن جزءاً من الخام السوري ثقيل ولا يتوافق بالكامل مع قدرات ومواصفات التكرير المتاحة.
ما البيانات المطلوبة لفهم السعر؟
يرى خوري أن الأرقام المتعلقة بارتفاع أسعار المشتقات والشحن والتأمين لا تكفي وحدها للحكم على مدى تبرير السعر الجديد.
ويشير إلى مجموعة من البيانات التي يرى ضرورة نشرها، بينها سعر الشراء الفعلي لكل شحنة، وتكلفة الشحن والتأمين بشكل منفصل، والرسوم الجمركية والإدارية إن وجدت، والكميات المستوردة شهرياً، وحجم المخزون الاستراتيجي ومدة تغطيته، إضافة إلى سعر الصرف المعتمد فعلياً في التسعير.
وبغياب هذه البيانات، يقول خوري، يصبح من الصعب تفسير الفارق بين الأسعار العالمية والسعر النهائي للمستهلك.
كما أن مقارنة السعر المحلي بالمؤشرات الدولية، بحسب رأيه، لا تكتمل من دون احتساب تكاليف النقل الداخلي والتخزين والتوزيع وهوامش الشركات والضرائب والرسوم المحلية.
وبحسب حساب تقريبي أورده خوري، تبلغ الكلفة الدولية المرجعية للمازوت نحو 145 ليرة جديدة لليتر، مقابل سعر بيع نهائي يبلغ 175 ليرة، بفارق يقارب 30 ليرة.
ولا يعتبر خوري هذا الفارق بحد ذاته دليلاً على وجود خلل أو تلاعب، إذ يمكن أن يشمل تكاليف النقل والتخزين والتوزيع والضرائب وهوامش التشغيل. لكنه يرى أن حجمه يجعل من الضروري نشر مكونات السعر بصورة رسمية وشفافة.
لماذا ارتفع المازوت بنسبة أكبر من البنزين؟
لم تكن الزيادة متساوية بين أنواع المشتقات النفطية، إذ ارتفع سعر المازوت بنحو 40%، مقابل زيادة تراوحت بين 26 و28% للبنزين.
ويطرح خوري احتمالين لتفسير هذا الفارق، مع التأكيد على أن البيانات المتاحة لا تسمح بالحسم بينهما.
الاحتمال الأول هو أن تكون هوامش تكرير المازوت قد ارتفعت بدرجة أكبر من البنزين نتيجة اضطرابات الشحن والإمدادات. أما الاحتمال الثاني فيتمثل في أن المازوت كان يحظى بهامش دعم أكبر قبل القرار، نظراً إلى ارتباطه بالنقل والزراعة والتدفئة والأفران، وبالتالي جاءت إعادة التسعير لتقليص هذا الهامش.
ويشير خوري إلى أن كلا الاحتمالين يمكن أن ينسجم مع الأرقام المعلنة، لكن تحديد السبب الفعلي يحتاج إلى بيانات منشورة حول مكونات كلفة كل نوع من أنواع الوقود.
إنتاج النفط لا يعني الاكتفاء بالوقود
لا يرتبط تقليص فاتورة الاستيراد بحجم إنتاج النفط الخام فقط، إذ تبرز أيضاً مسألة قدرة المصافي على تحويل الخام المتوافر إلى مشتقات تلبي احتياجات السوق.
وبحسب الأرقام الرسمية التي ينقلها خوري، تبلغ حاجة سوريا اليومية نحو 300 ألف برميل من النفط ومشتقاته، مقابل إنتاج محلي يقارب 100 ألف برميل من الخام.
لكن خوري يميز بين إنتاج الخام وإنتاج الوقود الجاهز، موضحاً أن جزءاً من الخام السوري ثقيل ولا يتناسب بالكامل مع مواصفات وقدرات التكرير المحلية.
وبالتالي، فإن زيادة إنتاج النفط الخام محلياً لا تعني بالضرورة انخفاض فاتورة استيراد البنزين والمازوت، لأن المسألة ترتبط أيضاً بنوعية الخام وبقدرة المصافي على تحويله إلى مشتقات بالمواصفات المطلوبة.
ومن هذا المنطلق، يرى أن تقييم قدرة سوريا على استعادة الاكتفاء الذاتي يحتاج إلى النظر في مؤشرين منفصلين: حجم إنتاج النفط الخام، ونسبة ما يمكن تكريره محلياً بالمواصفات المطلوبة.
الزيادة المؤقتة وآلية المراجعة
وصفت الحكومة الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات بأنها مؤقتة، لكن خوري يرى أن هذا الوصف يحتاج إلى آلية محددة للمراجعة حتى يصبح قابلاً للقياس.
ويشير إلى أن الحديث عن تحرك الأسعار مستقبلاً صعوداً وهبوطاً لا يكفي من دون صيغة حسابية معلنة تربط السعر المحلي بمؤشر دولي محدد وسعر صرف واضح.
ومن العوامل التي يمكن أن تؤثر لاحقاً عودة مصفاة بانياس إلى طاقتها التشغيلية الكاملة، لكن ذلك، بحسب خوري، لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار إذا بقيت تكاليف الشحن والتأمين مرتفعة أو استمر ضعف سعر الصرف.
ويحذر من احتمال تحول الزيادة التي وصفت بالمؤقتة إلى سعر دائم في حال عدم وجود آلية واضحة للمراجعة النزولية، مشيراً إلى ما يعرف اقتصادياً بـ**”تأثير السلم”**، حيث ترتفع الأسعار الإدارية بسرعة أكبر من انخفاضها.
ويرى أن اعتماد مراجعة دورية تستند إلى مؤشرات معلنة يمكن أن يكون أكثر فاعلية من الاكتفاء بتعهد عام بتحريك الأسعار وفق تغيرات الكلفة.
النقل والكهرباء والزراعة في مقدمة المتأثرين
تظهر آثار ارتفاع أسعار المحروقات بصورة أسرع في القطاعات التي تعتمد مباشرة على الوقود، وفي مقدمتها النقل.
ويشير خوري إلى أن تداعيات القرار بدأت تظهر في قطاع النقل، مع حديث سائقي سيارات الأجرة في دمشق عن رفع التعرفة، بالتوازي مع احتجاجات ووقف جزئي لبعض سائقي النقل العام في الحسكة والرقة ودير الزور.
كما يتوقع أن ينعكس ارتفاع المازوت على كلفة الكهرباء المولدة محلياً، ولا سيما مع اعتماد جزء واسع من التغذية الكهربائية على مولدات تعمل بالمازوت، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع فاتورة الاشتراك في الكهرباء خلال فترة قصيرة.
أما في الزراعة، فتظهر الزيادة سريعاً في تكاليف تشغيل الآليات ونقل العمال والمحاصيل، بينما قد يتراكم أثرها على أسعار المنتجات الزراعية مع استمرار دورة الإنتاج والموسم.
وفي المقابل، تقول الحكومة إن أعمال عمرة مصفاة بانياس، المقرر أن تستمر نحو شهرين، تستهدف رفع قدرتها التشغيلية من نحو 80 ألف برميل يومياً إلى حوالي 130 ألف برميل، بما يعزز قدرة البلاد على التكرير محلياً بعد انتهاء أعمال الصيانة.
سؤالان حول قرار واحد
تضع تصريحات الحمدي وخوري القرار أمام زاويتين مختلفتين.
الأولى تركز على أثر السعر بعد إقراره: كيف تنتقل زيادة المحروقات إلى الأجور والنقل والزراعة والإنتاج والقدرة الشرائية، وهل ترافقها إجراءات لحماية الأسر والقطاعات الأكثر تأثراً؟
أما الثانية فتتعلق بالسعر نفسه: كيف جرى احتسابه، وما حصة الاستيراد والشحن والتأمين والنقل والتخزين والضرائب منه، وما الآلية التي تسمح بخفضه إذا تراجعت كلفة الاستيراد وتحسنت قدرة التكرير المحلية؟
وبين هذين المسارين، يبقى تأثير القرار مرتبطاً بأكثر من الرقم المعلن عند محطة الوقود. فالزيادة قد تنتقل إلى أجور النقل، وكلفة نقل المنتجات الزراعية، وأسعار السلع، وتشغيل المنشآت، وفاتورة الكهرباء المولدة بالمولدات.
وفي المقابل، فإن تثبيت سعر الخبز المدعوم يخفف الضغط عن سلعة أساسية، لكنه لا يمنع انتقال الزيادة إلى بنود أخرى من إنفاق الأسر.
ويعتبر الحمدي أن التعامل مع الأسعار المرنة لا يعني إلغاءها، وإنما وضع آلية تضمن أن تعكس الكلفة الفعلية مع الحد من انتقال تقلبات أسعار النفط العالمية بصورة حادة ومباشرة إلى المستهلك.
أما خوري فيركز على جانب الشفافية، معتبراً أن إعلان السعر وحده لا يكفي، وأن نشر معادلة التسعير ومكونات الكلفة والبيانات التي تستند إليها الحكومة في تحديد السعر يسمح بتقييم الزيادة ومدى مؤقتيتها، كما يوضح إمكانية خفضها عندما تنخفض كلفة الاستيراد وتتحسن طاقة التكرير المحلية.
وبذلك، لا تتعلق قضية المحروقات في سوريا بسعر المازوت والبنزين فقط، بل بالمسار الذي تسلكه الزيادة من سوق الطاقة إلى بقية تكاليف الحياة، وبمدى قدرة الاقتصاد والأسر على استيعابها.
اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز