الليرة السورية تعود إلى التراجع.. فاتورة الاستيراد والمحروقات تزيد الطلب على الدولار

لم تعد حركة الليرة السورية في سوق الصرف مرتبطة بعامل واحد يمكن عزله عن بقية المشهد الاقتصادي. فالعملة التي عادت إلى التراجع بعد فترة من الاستقرار النسبي تتحرك داخل اقتصاد ضعيف الإنتاج، مرتفع الاعتماد على الاستيراد، ومثقل بالحاجة إلى القطع الأجنبي، فيما تضيف أسعار المحروقات وتذبذب السياسات الاقتصادية مزيداً من الضغوط على السوق والأسعار.

وتراجعت الليرة في السوق الموازية خلال الأسبوع الماضي إلى نحو 136 و137 ليرة للدولار، بعدما كانت مستقرة قرب 132 و133 ليرة، في حركة أعادت المخاوف من عودة التقلب إلى سوق الصرف، خصوصاً مع استمرار اعتماد الاقتصاد على مصادر محدودة للعملة الأجنبية.

المحروقات تضيف ضغطاً إلى سوق الدولار

يرى المحلل الاقتصادي محمد كوسا أن رفع أسعار المشتقات النفطية شكّل عاملاً مباشراً ومهماً في موجة التراجع الأخيرة، لكنه لا يمثل السبب الوحيد، بل يأتي ضمن سلسلة أوسع من الاختلالات النقدية والمالية.

وتقدر تكلفة تأمين المشتقات النفطية والغاز الطبيعي المستورد في سوريا بنحو 25.2 مليون دولار يومياً، أي قرابة 755.6 مليون دولار شهرياً. وفي اقتصاد يحتاج إلى كميات كبيرة من القطع الأجنبي لتأمين احتياجاته الأساسية، تتحول فاتورة الطاقة إلى ضغط مستمر على سوق الصرف.

ويشرح كوسا أن ارتفاع تكلفة الوقود ينتقل سريعاً إلى النقل والشحن والإنتاج والأسعار، ما يدفع الأسر والتجار إلى التحوط بالدولار، ويرفع الطلب على العملة الأجنبية. وبذلك تصبح العلاقة دائرية: ارتفاع تكلفة الاستيراد يضغط على الليرة، وتراجع الليرة يرفع تكلفة الاستيراد، فيما تنتقل النتيجة إلى الأسعار.

وكانت الحكومة قد اعتمدت خلال الأشهر الماضية آليات جديدة لتسعير المشتقات ومراجعتها دورياً، بينما أظهرت بيانات رسمية لاحقاً أن تعديلات أسعار الوقود انعكست بصورة مباشرة على حركة النقل.

اقتصاد يستورد أكثر مما ينتج

بالنسبة إلى الخبير الاقتصادي عبد المنعم الحلبي، فإن أصل المشكلة يتجاوز سعر الوقود إلى الخلل الهيكلي في الاقتصاد السوري، وفي مقدمته ارتفاع المستوردات والحاجة المستمرة إلى الدولار لتمويل المدفوعات.

ويضع كوسا المشكلة في المعادلة نفسها: واردات واسعة في مقابل صادرات محدودة، مع استمرار ضعف قطاعات الإنتاج التي يفترض أن تولد العملة الأجنبية. فكلما اتسعت فاتورة الاستيراد من دون نمو موازٍ في الصادرات، بقي الطلب على الدولار أعلى من قدرة الاقتصاد على توليد عرضه.

وتزداد هشاشة هذه المعادلة مع اعتماد السوق على الحوالات الخارجية ومصادر محدودة أخرى للنقد الأجنبي. ووفق كوسا، فإن جزءاً مهماً من الحوالات يتجه إلى السوق الموازية، ما يمنحها وزناً كبيراً في تحديد سعر الصرف ويجعلها أكثر تأثراً بالمضاربات والتوقعات.

سياسة نقدية تحت ضغط التوقعات

لا تتوقف المشكلة عند ضعف الإنتاج أو فاتورة الاستيراد. فالفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، وفق الحلبي، تخلق مساحة للمضاربة، بينما يرى كوسا أن غياب الوضوح الكافي في السياسة النقدية يبقي المتعاملين في حالة ترقب دائمة.

وفي سوق شديدة الحساسية للشائعات، قد يتحول مجرد توقع ارتفاع الدولار إلى عامل يدفع نحو شرائه والاحتفاظ به، ما يرفع الطلب عليه قبل حدوث تغير اقتصادي فعلي. وهنا تصبح الثقة نفسها جزءاً من المعادلة النقدية، لا مجرد نتيجة لها.

وتزامنت هذه الضغوط مع عملية استبدال العملة، التي انتهت مهلة استبدال الأوراق القديمة عبر المصارف في 30 تموز 2026، في وقت يؤكد فيه المصرف المركزي أن مرحلة السحب ستستمر وفق آليات تمتد لسنوات.

حكومة تدير الأعراض أكثر مما تعالج أصل الأزمة

تكشف هذه الصورة أن معالجة سعر الصرف لا يمكن اختزالها في تدخلات آنية أو تعديلات متكررة على أسعار المحروقات. فاستقرار الليرة يحتاج إلى اقتصاد ينتج ويصدر، وسياسة نقدية واضحة، وموارد مالية حقيقية، وسوق صرف أكثر شفافية.

وتظهر البيانات المالية الرسمية أن إيرادات الدولة خلال النصف الأول من 2026 بلغت نحو 2.7 مليار دولار مقابل إنفاق عام بلغ 3.7 مليارات دولار، وهي أرقام تعكس اتساع الفجوة المالية وتضع السياسة الاقتصادية أمام أسئلة تتجاوز إدارة سعر الصرف نفسه.

ويرى كوسا أن تحسين الوضع يتطلب تعزيز تدخلات المصرف المركزي، وزيادة الصادرات، وجذب الاستثمارات، وتحويل الاتفاقات الاقتصادية الخارجية إلى مشروعات فعلية، بالتوازي مع إعادة تنشيط الإنتاج.

أما التنبؤ بمسار الليرة، فيبقى شديد الصعوبة في سوق بهذه الهشاشة. لكن الثابت أن استمرار الاعتماد على الاستيراد، وضعف الإنتاج والصادرات، وتذبذب تدفقات القطع الأجنبي، سيبقي العملة معرضة للضغط ما لم تنتقل المعالجة من إدارة نتائج الأزمة إلى معالجة أسبابها الاقتصادية الأساسية.

اقرأ أيضاً: تراجع الليرة السورية.. هل أسهم استبدال العملة في زيادة الضغوط على سعر الصرف؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.