النفايات المتراكمة في داريا تتحول إلى حرائق ودخان يطارد السكان ونقص الآليات يؤجل الترحيل
في منطقة الخليج بمدينة داريا بريف دمشق، لا تنتهي مشكلة النفايات عند تراكمها في موقع التجميع، بل تبدأ منها سلسلة أخرى من الأزمات. فالأكوام التي تتكدس في المكان تتحول بصورة متكررة إلى حرائق ودخان وروائح تزحف نحو المنازل، بينما يبقى السكان أمام مشكلة تتجدد من دون معالجة تنهي أسبابها.
ومع كل حريق، تعود الأسئلة نفسها: لماذا ما تزال النفايات تتراكم في الموقع؟ ولماذا لم يُؤمَّن مسار ثابت لترحيلها؟ وإلى متى سيبقى التعامل مع المشكلة محصوراً في إخماد النيران بعد اشتعالها، بدلاً من منعها عبر إزالة مصدرها؟
حريق يتكرر.. والسكان يدفعون الثمن
يقول سكان المنطقة إن الدخان يصل إلى المنازل، ولا سيما في ساعات الليل والصباح، ما يضطرهم إلى إغلاق النوافذ والحد من تهوية منازلهم. وتزداد المخاوف لدى الأسر التي تضم أطفالاً أو أشخاصاً يعانون من الربو والحساسية.
وتقول هبة أبو ذقن إن حرق النفايات أصبح ظاهرة متكررة، فيما يشير خالد الشربجي إلى انتشار الدخان والروائح في المنطقة وتأثيرها في السكان، مطالباً بحل واضح لموقع تجمع القمامة ومنع حرقها.
أما محمد موسى، فيقول إن الأهالي لا يعرفون متى تبدأ الحرائق أو تنتهي، ولا يعرفون من يقف وراء إشعالها، مطالباً الجهات المعنية بمتابعة الموقع وتحديد المسؤوليات.
لكن المشكلة لا تتوقف عند مصدر النار. فوجود كميات كبيرة من النفايات في مكان مكشوف يجعل تكرار الاشتعال احتمالاً دائماً، مهما اختلفت أسبابه.
البلدية تطارد المشكلة بالإمكانات المتاحة
يقول رئيس بلدية داريا رائد عبيد إن البلدية وضعت حارساً في الموقع لمراقبته، وتعمل بالتنسيق مع المحافظة على إيجاد موقع قريب مؤقت يمكن نقل النفايات إليه على دفعات.
ويكشف ذلك جانباً أساسياً من المشكلة: البلدية لا تملك حالياً القدرة اللوجستية على نقل كامل التراكمات مباشرة إلى المكبات النهائية، فيما يؤدي غياب موقع وسيط قريب إلى إبقاء النفايات في المدينة ومحيط الحاويات والطرقات.
ويضاف إلى ذلك أن منطقة الخليج دخلت ضمن التنظيم، ما يجعل استمرار استخدامها كنقطة تجميع مرتبطاً بأعمال التسوية والبنية التحتية والإعمار. وفي المقابل، يبقى السكان هم الطرف الذي يتحمل يومياً نتائج التأخير.
الدفاع المدني يطفئ النار ولا يستطيع إزالة سببها
بالنسبة إلى الدفاع المدني، تحولت حرائق الخليج إلى تدخل متكرر يستنزف جزءاً من الموارد المخصصة للطوارئ.
ويقول رئيس مركز الدفاع المدني في داريا خالد النجم إن الفرق استجابت لحرائق عدة في الموقع خلال العام الماضي والحالي، مشيراً إلى أن إخماد النار وحده لا ينهي المشكلة، لأن النفايات تبقى في مكانها وقد تعاود الاشتعال.
وتتطلب عمليات الإطفاء أحياناً استخدام آليات ثقيلة لتقليب النفايات بالتزامن مع التبريد، وهي معالجة مؤقتة تستهلك الوقت والآليات، وقد تشغل فرق المركز عن حوادث أكثر خطورة تحتاج إلى استجابة عاجلة.
وهنا تظهر المفارقة الأوضح: جهاز يفترض أن يكون مخصصاً للاستجابة للكوارث يجد نفسه يعود مراراً إلى الموقع نفسه لإخماد نتيجة مشكلة خدمية لم تُحل من أساسها.
نقص الآليات يحول النفايات إلى أزمة مزمنة
ويعزو رئيس دائرة النظافة في مديرية نظافة ريف دمشق بشار سلامة جانباً من المشكلة إلى نقص الآليات والعمالة وصعوبة الوصول إلى المكبات النهائية.
ويمتلك مجلس مدينة داريا ضاغطتين، إحداهما متهالكة وتحتاج إلى إصلاح مستمر، إضافة إلى جرارين، فيما يحتاج القطاع الواسع الذي يغطي المدينة ومناطقها التابعة إلى قدرات أكبر بكثير.
وتعمل الجهات المعنية على إحداث نقطة تجميع وسيطة في خان الشيح، يفترض أن تستقبل نفايات داريا ومعضمية الشام والمناطق التابعة لهما قبل نقلها إلى المكب النهائي. لكن الحل، حتى الآن، ما يزال في مرحلة الإجراءات، فيما تستمر التراكمات في الخليج.
دخان النفايات ليس مشكلة روائح فقط
تحذر رئيسة دائرة الأمراض السارية وغير السارية في مديرية صحة ريف دمشق غادة كريم الدين من آثار حرق النفايات على الصحة، مشيرة إلى أن الدخان قد يسبب تهيج الجهاز التنفسي والتحسس ونوبات الربو، فيما قد تحمل بعض نواتج الحرق مخاطر صحية بعيدة المدى.
ويحذر استشاري البيئة وإدارة الموارد الطبيعية موفق الشيخ علي من أن الحرق العشوائي للنفايات قد يطلق غازات وجسيمات ومواد سامة، خصوصاً عند احتراق البلاستيك والبطاريات والمخلفات الإلكترونية، فضلاً عن مخاطر تلوث التربة والمياه وتكاثر الحشرات والقوارض.
في داريا، لا تبدو المشكلة نقصاً في معرفة الحل بقدر ما هي عجز عن تنفيذه بالسرعة المطلوبة. فالحل معروف: إزالة التراكمات، تأمين آليات كافية، وقف التجميع العشوائي، وإنشاء مسار منتظم يصل بالنفايات إلى المكب النهائي. أما استمرار الانتظار، فيعني أن الخليج سيبقى موقعاً تتراكم فيه القمامة نهاراً، ويخرج منه الدخان ليلاً، بينما تستمر الجهات الخدمية في معالجة النتائج بدلاً من إنهاء المشكلة من جذورها.
اقرأ أيضاً: تراكم النفايات في شوارع الصنمين بريف درعا يثير مخاوف الأهالي