دير الزور في مواجهة العتمة: كهرباء تتراجع وبدائل تستنزف جيوب السوريين
في دير الزور، لا تبدو أزمة الكهرباء مجرد ساعات انقطاع على جدول تقنين، بل تحولت إلى اختبار يومي لقدرة السكان على الاحتمال. فمع ارتفاع درجات الحرارة إلى أكثر من 40 درجة مئوية، يجد الأهالي أنفسهم أمام معادلة قاسية: كهرباء أقل، أعطال أكثر، وبدائل باتت حكراً على من يستطيع دفع ثمنها.
من المدينة إلى الريف، تتكرر الشكاوى من تراجع التغذية الكهربائية، وتعطل الشبكة، وصعوبة تشغيل وسائل التبريد وحفظ المواد الغذائية وتأمين المياه، في مشهد يعكس هشاشة البنية الخدمية بعد سنوات طويلة من الإهمال والدمار، رغم الوعود المتكررة بتحسين الواقع الكهربائي.
ساعات تتقلص.. وأعباء تتضاعف
يقول سكان في ريف دير الزور إن ساعات التغذية تراجعت بشكل واضح بعد خروج محولة التوتر العالي 230 في منشأة «التيم» عن الخدمة، إذ انخفضت ساعات وصول التيار في بعض المناطق من نحو 10 أو 12 ساعة يومياً إلى ما بين 6 و8 ساعات متقطعة، لا تكفي غالباً لإعادة شحن البطاريات أو تشغيل الأجهزة الأساسية.
عبد الرحمن عاروض، من سكان قرية المريعية، يوضح أن الانقطاعات الطويلة تسببت بتلف مواد غذائية محفوظة في المجمدات، فيما أصبحت العائلات مضطرة إلى تقنين استخدام الأجهزة بين المراوح والثلاجات وأجهزة الإنترنت.
ومع عجز البطاريات عن تقديم حل مستقر، لجأ بعض السكان إلى شراء قوالب الثلج للحفاظ على الطعام، في وقت يضيف فيه هذا الخيار كلفة جديدة على أسر تكافح أصلاً لتغطية احتياجاتها اليومية.
أما في قرية الشولا، فالمشكلة أقدم وأكثر قسوة، إذ يعيش السكان، بحسب شهاداتهم، من دون كهرباء منذ عام 2017، بعدما كانت التغذية قبل ذلك محدودة ومتقطعة. وبينما تمكن عدد قليل من تركيب أنظمة طاقة شمسية، بقيت تكلفتها بعيدة عن متناول معظم الأهالي.
الكهرباء الغائبة تهدد الماء والغذاء
لا تتوقف آثار الانقطاع عند حدود الظلام داخل المنازل، بل تمتد إلى قطاعات الحياة الأساسية. ففي قرية الخريطة، يؤكد السكان أن انقطاع الكهرباء يعرقل عمل محطات المياه، ما يزيد من صعوبة تأمين مياه الشرب، ويدفع العائلات إلى التخزين أو شراء المياه عند الحاجة.
وفي مدينة دير الزور، يقول الأهالي إن ساعات القطع قد تتجاوز 20 ساعة يومياً في بعض الفترات، ما فرض نمط حياة قائم على انتظار عودة التيار، وتأجيل الأعمال المنزلية، وتقليص شراء المواد الغذائية خوفاً من تلفها.
وباتت حلول الأزمة مرتبطة بالقدرة المالية لكل أسرة؛ فمن يملك المال يلجأ إلى الأمبيرات أو المولدات أو الطاقة الشمسية، بينما يبقى آخرون عالقين في دائرة الانقطاع الطويل.
شبكة منهكة ووعود بإصلاح مؤجل
ترجع الشركة العامة لكهرباء دير الزور واقع التقنين إلى محدودية الاستطاعة المتاحة للمحافظة، إضافة إلى الظروف التشغيلية للمحولة الوحيدة العاملة باستطاعة اسمية تبلغ 125 ميغاواط، بينما لا تتجاوز قدرتها التشغيلية الحالية 70 ميغاواط.
وتؤكد الشركة وجود خطة لإضافة محولة جديدة بهدف رفع القدرة وتحسين التغذية، إلا أن السكان اعتادوا على وعود مشابهة لم تتحول دائماً إلى تحسن ملموس في حياتهم اليومية.
ويشير مهندسون مختصون إلى أن المشكلة لا ترتبط فقط بنقص الطاقة، بل أيضاً بشبكة متقادمة تعرضت أجزاء منها للتلف خلال السنوات الماضية، وتعاني من نقص قطع التبديل والمعدات اللازمة للصيانة السريعة.
ويؤكد المهندس عبد القادر الخماش أن إصلاح محولة «التيم» قد يضيف نحو 60 ميغاواط إلى قدرة المحافظة، لكنه يلفت إلى أن تحسين الواقع يحتاج إلى أكثر من معالجة الأعطال الطارئة، ويتطلب إعادة تأهيل حقيقية للبنية الكهربائية.
في دير الزور، لم تعد الكهرباء خدمة ينتظرها السكان لتحسين رفاهيتهم، بل أصبحت شرطاً أساسياً للبقاء في صيف قاسٍ، فيما يبقى السؤال معلقاً حول ما إذا كانت خطط الحكومة السورية الانتقالية ستصل إلى مستوى الأزمة، أم ستبقى معالجة الانهيار الخدمي مؤجلة كما في السنوات السابقة.
اقرأ أيضاً: ستة أشهر بلا كهرباء.. سكان مشروع السكن الوطني في طرطوس عالقون بين الوعود وتعطل الخدمات