صندوق “ستارت” لإعمار سوريا: آلية تمويل دولية جديدة وتحديات اقتصادية مرتقبة
أعلنت وزارة الخارجية السورية، الأحد، عن توصل دمشق ومجموعة البنك الدولي إلى اتفاق تاريخي يقضي بإنشاء “الصندوق الائتماني لدعم التعافي وإعادة الإعمار في سوريا”، والمعروف اختصاراً بـ “ستارت”.
ويهدف الصندوق إلى حشد التمويل الدولي وتنسيق مساهمات الجهات المانحة لدعم التعافي الاقتصادي، وإعادة بناء البنية التحتية المدمرة، وتعزيز مسار التنمية المستدامة في البلاد.
وجاء الإعلان عن هذه المبادرة على هامش الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي لعام 2026 في العاصمة التايلاندية بانكوك، في خطوة استراتيجية تسعى من خلالها الحكومة السورية إلى مد جسور التعاون مع المؤسسات المالية الدولية بعد سنوات طويلة من الصراع والتراجع الاقتصادي الحاد.
كيف يعمل صندوق “ستارت”؟
يُصنف صندوق “ستارت” كـ صندوق ائتماني متعدد المانحين؛ وهو نموذج يتيح للجهات الدولية المختلفة تجميع مساهماتها المالية ضمن آلية مركزية موحدة تخضع لإدارة وضوابط محددة، بدلاً من تشتت التمويل وتوزيعه بين قنوات ومشروعات منفصلة.
ووفقاً للبيان الصادر عن وزارة الخارجية السورية، سيتولى البنك الدولي إدارة الصندوق بالتنسيق المباشر مع المانحين ومؤسسات التنمية والشركاء الدوليين، مع التأكيد على أن أوجه الإنفاق ستتطابق مع الأولويات الوطنية التي تحددها الدولة السورية.
ولا تقتصر أهداف الصندوق على توفير التمويل الميسر فحسب، بل تمتد لتشمل:
-
تقديم ضمانات استثمارية ومساعدات فنية.
-
تنفيذ برامج متخصصة لبناء القدرات المؤسسية.
-
تشجيع مشاركة القطاع الخاص وجذب الاستثمارات الخارجية.
وقد أبدت أطراف عديدة من شركاء التنمية في المنطقة العربية، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، إضافة إلى مؤسسات مالية دولية وإقليمية، دعمها السياسي والمبدئي للمبادرة واستعدادها للمساهمة فيها.
ورغم ذلك، فإن الإعلان الرسمي لا يعني بالضرورة تأمين التمويل المطلوب بالكامل، إذ تظل آليات الصرف، وحجم المساهمات الفعلية، وسرعة التنفيذ، عوامل حاسمة في تحديد الأثر الاقتصادي الحقيقي للصندوق على الأرض.
فاتورة إعادة الإعمار: أرقام ضخمة وفجوة واسعة
تكتسي خطوة إطلاق الصندوق أهمية بالغة بالنظر إلى حجم الأرجاس والدمار الذي خلفته الحرب؛ إذ أصدر البنك الدولي في تشرين الأول/ أكتوبر 2025 تقريراً قيماً، قدّر فيه كلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة في سوريا بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق تقديري يتراوح بين 140 و345 مليار دولار.
وتوزعت الأضرار المادية المباشرة، التي قُدرت بنحو 108 مليارات دولار، على النحو الآتي:
-
52 مليار دولار خسائر قطاع البنية التحتية.
-
33 مليار دولار أضرار المباني السكنية.
-
23 مليار دولار أضرار المباني غير السكنية.
وتعادل كلفة إعادة الإعمار هذه نحو عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي السوري لعام 2024، وهو ما يعكس بوضوح الفجوة الهائلة بين الاحتياجات الفعلية الهائلة والموارد المحلية المتاحة.
الانعكاسات الاقتصادية المتوقعة: آفاق التنمية والتشغيل
على الصعيد الاقتصادي، يتيح الصندوق فرصة نوعية لتوجيه الأموال نحو قطاعات حيوية تشمل:
-
إصلاح شبكات الكهرباء، المياه، والنقل.
-
إعادة تأهيل البنى التحتية للخدمات الصحية والتعليمية.
-
رفع كفاءة قدرة المؤسسات العامة على إنجاز المشروعات.
من شأن ضخ التمويل في هذه القطاعات المحورية أن ينعكس إيجاباً على النشاط الإنتاجي، وخفض تكاليف التشغيل التي تثقل كاهل الشركات، وخلق فرص عمل جديدة.
كما ستسهم الضمانات الاستثمارية وبرامج التمويل الميسر في تقليص المخاطر التي تواجه المستثمرين في سوق تعاني أصلاً من ضعف البنية التحتية ومحدودية الخدمات المالية، وسط تراجع القدرة المعيشية واتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة، حيث سجلت سوريا المرتبة الأخيرة عربياً في الرواتب لعام 2026.
اختبار الشفافية وإدارة الموارد المالية
لا يمكن تقييم نجاح صندوق “ستارت” بمعزل عن قدرته على تحويل التعهدات والوعود إلى أموال نقدية مصروفة ومشروعات ملموسة على أرض الواقع.
وترتبط هذه الفعالية بمدى الشفافية في اختيار المستفيدين، وآليات التعاقد، وأجهزة الرقابة المتبعة.
وتبرز هذه التحديات في ظل الإشارات التي أوردها البنك الدولي بشأن واقع إدارة المالية العامة في سوريا؛ والتي دفعت البنك في آذار/ مارس الماضي إلى الموافقة على منح بقيمة 20 مليون دولار لتعزيز كفاءة إدارة الأموال العامة، وترسيخ الشفافية والمساءلة، وتطوير أنظمة الموازنة والمشتريات الحكومية.
قراءات نقدية وتحذيرات اقتصادية
في هذا السياق التحليلي، يرى الباحث الاقتصادي يونس الكريم أن إعلان إنشاء صندوق “ستارت”، على أهميته الاستراتيجية، يستدعي التوقف عند التداعيات الاقتصادية المحتملة لتغيير آليات تدفق التمويل الخارجي.
وفي منشور له عبر منصة “فيس بوك”، حدد الكريم أبرز المخاطر والتحديات في النقاط الآتية:
-
وصول الحكومة إلى الأموال: قد يحدّ انتقال التمويل من الآليات الثنائية المباشرة بين المانحين والحكومة إلى مسار مركزي تحكمه قواعد الصندوق الصارمة، من قدرة الحكومة على الوصول الحر إلى الأموال والتصرف بها، تبعاً لشروط التمويل وآليات تخصيص الصرف.
-
ضغط التمويل الإنساني: حذّر الكريم من أن أي تراجع محتمل في التمويل المخصص للمنظمات الإنسانية والتنموية قد يدفعها إلى تقليص برامجها ومشاريعها الحالية، مما يهدد فرص العمل المباشرة التي توفرها ويؤثر سلباً في الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها.
-
الضغط على سوق الصرف: أشار إلى أن انخفاض التدفقات النقدية الفعلية للدولار إلى السوق السورية، بالتزامن مع استمرار الطلب المرتفع عليه، قد يضاعف الضغوط على الليرة السورية ويدفع سعر الصرف نحو الارتفاع.
ودعا الكريم الحكومة السورية إلى ضرورة مراقبة حجم الأموال التي تصل فعلياً عبر الصندوق، وضبط آليات توزيعها، وتحديد الجهات المستفيدة بدقة، مع قياس مدى انعكاس ذلك إيجاباً على نشاط المنظمات والاقتصاد المحلي.
وخلاصة القول، إن تقييم أداء صندوق “ستارت” لا يجب أن يُختزل في حجم الأموال الورقية التي ينجح في جمعها، بل ينبغي أن يقاس بمدى نوعية المشروعات الممولة، ومدى وصول آثارها المباشرة إلى القطاعات الإنتاجية والمواطنين، وقدرتها على توليد وظائف مستدامة، ضمن إطار شفاف وصارم من المساءلة والنزاهة.
اقرأ أيضاً:تعيين ماهر الحسن رئيساً للشركة السورية للبترول وعمر الحلبي رئيساً لـ الصندوق السيادي
اقرأ أيضاً:هل تنجح إقامة دولة درزية مستقلة في جنوب سوريا؟ تحديات سياسية واقتصادية تهدد المشروع