زيارة فيدان إلى دمشق تثير مخاوف إسرائيلية من تنامي الدور التركي في سوريا

رأت مجلة “إيكونوميست” أن زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق، التي استمرت يومين وانتهت في 14 أيلول/سبتمبر، حملت دلالات تتجاوز إطار الزيارة الدبلوماسية التقليدية، في ظل تنامي الدور التركي في سوريا وتزايد التوتر بين أنقرة وتل أبيب بشأن مستقبل الوجود والنفوذ العسكري في البلاد.

وربطت المجلة بين الزيارة والتحركات التركية المتزايدة في الملف السوري، مشيرة إلى أن فيدان، الذي سبق أن ترأس جهاز الاستخبارات التركي، يمثل حكومة تُتهم في المنطقة بدعم “هيئة تحرير الشام”

وبحسب التقرير، وصف أحد المتابعين للشأن السوري زيارة فيدان بأنها “جولة نصر، تمهد الطريق لجولة نصر أكبر”، في إشارة إلى زيارة محتملة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى دمشق.

فيدان في دمشق والقلق الإسرائيلي

خلال زيارته، التقى فيدان الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الداخلية، في وقت تنظر فيه إسرائيل بقلق إلى اتساع الدور التركي في سوريا.

وتقول “إيكونوميست” إن تصريحات فيدان خلال الزيارة زادت من حساسية الموقف الإسرائيلي، خصوصاً بعدما وصف إسرائيل بأنها “التهديد الأكبر الذي يمكن أن يزعزع استقرار سوريا في الوقت الراهن”.

وترى المجلة أن زيارة أردوغان المرتقبة إلى دمشق، بعد نحو عامين من سقوط نظام الأسد، قد تكون جاءت متأخرة مقارنة بحجم الدور التركي في الملف السوري.

وتطرح “إيكونوميست” احتمالين لتفسير ذلك؛ أولهما حرص الشرع على تجنب الظهور بوصفه وكيلاً لتركيا، والثاني انتظار أنقرة إتمام الاتفاق المتعلق بحل قوات سوريا الديمقراطية ودمجها في الجيش السوري.

وتولي تركيا أهمية خاصة لهذا الملف بسبب موقفها من التنظيمات الكردية التي ترى أن لديها نزعات استقلالية، وتسعى منذ فترة إلى تنفيذ الاتفاق.

أبو الظهور في قلب الخلاف التركي الإسرائيلي

تزامنت التحركات التركية مع تصاعد التوتر مع إسرائيل، ولا سيما بعد الضربة التي استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية المهجورة في شمال سوريا في 18 آب/أغسطس.

ووفق ما أوردته “إيكونوميست”، اتهمت إسرائيل دمشق بأنها كانت على وشك تغيير الوضع الأمني القائم من خلال السماح للقوات التركية بالانتشار في القاعدة.

وكان معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي قد أشار إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي نفذ في ليلة 17-18 آب/أغسطس ضربة على مطار أبو الظهور العسكري في إدلب، وقال إن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أكد فعلياً الضربة، وربطها باعتبار نشر قوات تركية على الأراضي السورية “خطاً أحمر” بالنسبة إلى إسرائيل.

ولا يقدم التقرير دليلاً على أن تركيا وسعت بالفعل انتشارها العسكري داخل سوريا، لكن مصادر استخباراتية إسرائيلية قالت، بحسب المجلة، إنها تمتلك معلومات عن خطط لنشر بطاريات مضادة للطائرات يمكن أن تحد من قدرة إسرائيل على تنفيذ عملياتها في سوريا.

ونقلت “إيكونوميست” عن مسؤول أمني إسرائيلي قوله: “كان علينا وضع خط أحمر”.

خلاف داخل إسرائيل حول نوايا أنقرة

بحسب المجلة، لا يوجد موقف موحد داخل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بشأن طبيعة الأهداف التركية في سوريا.

ويرى المؤيدون للضربة التي أمر بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن تنامي النفوذ التركي يمثل مصدر تهديد محتمل، مستندين إلى التقارب الأيديولوجي بين أردوغان وحزبه وبين جماعة الإخوان المسلمين، إضافة إلى الموقف التركي المعلن الداعم لحركة حماس الفلسطينية.

كما تشير هذه الرؤية إلى اتفاق أمني أبرمته تركيا مع باكستان والسعودية، وإلى الدور التركي في المفاوضات المتعلقة بمستقبل قطاع غزة، فيما يقول مسؤولون إسرائيليون إن أنقرة تسعى من خلال ذلك إلى الحفاظ على نفوذ حماس.

ومن هذا المنظور، يرى أصحاب هذا التقدير أن زيادة الدور التركي في سوريا يمكن أن تنعكس على المصالح الأمنية الإسرائيلية، ويُستخدم هذا التقدير أيضاً في النقاش الإسرائيلي حول المنطقة العازلة التي أقامتها إسرائيل داخل الأراضي السورية بعد سقوط نظام الأسد في نهاية عام 2024.

في المقابل، ترى وجهة نظر أخرى داخل إسرائيل أن عداء أردوغان الشديد للحكومة الإسرائيلية لا يعني بالضرورة أن تركيا تسعى إلى زعزعة استقرار سوريا.

ويستند أصحاب هذا الرأي إلى أن تركيا تحملت خلال أكثر من عقد من الحرب السورية تبعات كبيرة نتيجة تدفق ملايين اللاجئين إليها، ولذلك لا تبدو مصلحتها مرتبطة بإعادة إنتاج اضطرابات واسعة في سوريا.

ويجادل هذا الاتجاه بأن على إسرائيل، رغم الخلافات المتزايدة مع أنقرة، أن تتمكن من إدارة خلافاتها مع تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي والحليف للولايات المتحدة.

دعوات إلى آليات دبلوماسية

كرميت فالنسي، رئيسة برنامج سوريا في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، ترى أن تضارب المصالح بين تركيا وإسرائيل في سوريا لا يلغي إمكانية إيجاد آليات لإدارة الخلاف.

وقالت فالنسي إن لتركيا حدوداً أطول بكثير مع سوريا من إسرائيل، وإن استقرار سوريا يمثل مصلحة مهمة لأنقرة، مضيفة أن على إسرائيل توضيح مصالحها الأمنية في سوريا، لكن عبر آليات دبلوماسية.

ويتقاطع هذا الطرح مع تقييم نشره المعهد في آب/أغسطس، أشار فيه إلى أن العلاقة بين دمشق وأنقرة أكثر تعقيداً من تصورها باعتبار سوريا مجرد حليف أو وكيل لتركيا، لافتاً إلى سعي الحكومة السورية للحفاظ على علاقات مع أطراف إقليمية ودولية متعددة وعدم الاعتماد الكامل على أنقرة.

هل تعود أنقرة وتل أبيب إلى إدارة الخلاف؟

وتستعيد “إيكونوميست” في ختام تقريرها طبيعة العلاقة السابقة بين تركيا وإسرائيل، حين كان البلدان حليفين عسكريين وشريكين تجاريين وثيقين قبل وصول أردوغان إلى السلطة.

لكن تصاعد الخلاف حول سوريا يضع العلاقة أمام اختبار جديد، في ظل تداخل المصالح الأمنية التركية والإسرائيلية داخل الساحة السورية.

وبحسب المجلة، لم تحسم أنقرة وتل أبيب بعد كيفية التعامل مع كلفة العداء المتبادل، إلا أن التطورات في سوريا قد تدفعهما إلى مواجهة هذا السؤال بصورة أكثر مباشرة، خصوصاً مع احتمال زيادة الدور التركي في دمشق واستمرار إسرائيل في تحديد نطاق تحركاتها الأمنية داخل الأراضي السورية.

 

اقرأ أيضاً:نفوذ تركيا في سوريا يثير قلق إسرائيل.. أي دولة تريدها تل أبيب؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.