المحافظات السورية خارج دائرة التنمية.. هل تعمّق المركزية الفجوة مع دمشق؟

تواجه المحافظات السورية خارج العاصمة تحديات متشابكة في قطاعات الخدمات والبنية التحتية والاستثمار وفرص العمل، في وقت تتزايد فيه احتياجات إعادة الإعمار وتحسين الظروف المعيشية. وبين تفاوت الأضرار التي خلّفتها سنوات الحرب ومحدودية الموارد وضعف الإمكانات المحلية، تتجدد التساؤلات بشأن آليات توزيع الإنفاق العام والمشاريع الاستثمارية، ومدى قدرة الإدارات المحلية على تحديد أولويات مناطقها.

ولا يقتصر النقاش على الفوارق في مستوى الخدمات بين دمشق والمحافظات، بل يمتد إلى طبيعة إدارة الموارد وصنع القرار، ومدى مراعاة الخطط الحكومية للاحتياجات المختلفة لكل منطقة. كما تثير محدودية فرص العمل وتراجع النشاط الاقتصادي في عدد من المحافظات مخاوف من استمرار هجرة الشباب نحو المدن أو خارج البلاد بحثاً عن مصادر دخل أفضل.

فهل يرتبط التفاوت التنموي بالبعد الجغرافي عن العاصمة، أم أن جذوره تعود إلى مركزية القرار وتوزيع الاستثمارات والموارد؟ وما السياسات المطلوبة لضمان تنمية أكثر توازناً بين المناطق السورية؟

مركزية القرار وتفاوت الاحتياجات

يرى الصحفي نبيل شوفان، المقيم في باريس، أن الفجوة التنموية بين دمشق والمحافظات السورية لا يمكن ردّها إلى المسافة الجغرافية وحدها، بل ترتبط بمجموعة من العوامل، بينها مركزية اتخاذ القرار، وطريقة توزيع الموازنات، وحجم الدمار الناتج عن الحرب، وضعف قدرات الإدارات المحلية، وتراجع الاستثمارات الإنتاجية.

وفي حديثه لموقع «963+»، يوضح شوفان أن البعد عن العاصمة قد يرفع تكاليف النقل والوصول إلى الأسواق والمؤسسات الحكومية، لكنه لا يفسر وحده تفاوت مستويات التنمية. ويستشهد بمحافظتي الحسكة ودير الزور، اللتين تمتلكان موارد طبيعية، لكنهما تواجهان، بحسب قوله، تحديات في تأمين الكهرباء والمياه والطرق والوقود.

ويعزو اختلاف الأوضاع بين المحافظات إلى تباين حجم الأضرار، وتراجع الإنتاج، ونقص التمويل، وتأخر تنفيذ القرارات المتعلقة بالخدمات والبنية التحتية.

وفي هذا السياق، يشير شوفان إلى تقديرات للبنك الدولي صدرت في تشرين الأول 2025، قدرت الأضرار المباشرة في سوريا بنحو 108 مليارات دولار، فيما بلغت احتياجات إعادة الإعمار المقدرة 216 مليار دولار، مع تسجيل أضرار كبيرة في حلب وريف دمشق وحمص.

كما يستند إلى تقييم لمنظمة «ريتش» لعام 2026، أظهر ارتفاع نسبة اعتماد الأسر في الرقة على شبكة الكهرباء من 62% إلى 90%، مع متوسط تغذية بلغ 13 ساعة يومياً، في حين لم تكن سوى 31% من مراكز الرعاية الصحية الأولية العاملة في الحسكة تمتلك مولدات كهربائية، وفق الأرقام التي أوردها.

وتعكس هذه المؤشرات، بحسب شوفان، تفاوتاً في مسار التعافي الخدمي بين المحافظات، إذ قد تتمثل المشكلة في بعض المناطق بغياب المنشآت الأساسية، بينما ترتبط في مناطق أخرى بنقص الكوادر أو عدم قدرة المرافق الموجودة على العمل بصورة منتظمة بسبب نقص الكهرباء والتمويل.

احتياجات اقتصادية مختلفة بين المحافظات

لا تتوقف التحديات، وفق شوفان، عند الخدمات العامة، بل تشمل قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة، ما يجعل وضع سياسة تنموية موحدة لجميع المحافظات أمراً غير كافٍ لمعالجة الفوارق القائمة.

ويشير إلى أن المناطق الزراعية تحتاج إلى تطوير شبكات الري، وتوفير التمويل للمزارعين، وتحسين الوصول إلى الأسواق، في حين يتطلب تعافي المناطق الصناعية إعادة تأهيل المنشآت وسلاسل التوريد. أما المدن التي تعتمد على النشاط التجاري، فتحتاج إلى استثمارات قادرة على تنشيط الإنتاج وتوفير فرص عمل مستقرة.

وعلى المستوى الإداري، يلفت شوفان إلى أن تداخل الصلاحيات بين المؤسسات المركزية والمحلية، وعدم وضوح المسؤوليات المالية والقانونية، ومحدودية الكوادر والإمكانات المتاحة للإدارات المحلية، قد تعرقل معالجة المشكلات اليومية. ويزداد أثر هذه العوامل، بحسب رأيه، عندما تبقى قرارات التمويل والصيانة مرتبطة بمؤسسات مركزية لا تتعامل مباشرة مع الاحتياجات المحلية.

ويرى أن الفجوة تتسع عندما لا يتناسب الإنفاق العام مع عدد السكان وحجم الأضرار ومستويات الحرمان، أو عندما تتمكن مناطق معينة من استقطاب مشاريع واستثمارات بصورة أكبر نتيجة ثقلها الاقتصادي أو قدرتها على الوصول إلى مراكز القرار.

كيف يمكن قياس عدالة توزيع الموارد؟

يشير شوفان إلى تمويلات أعلن عنها البنك الدولي في نيسان 2026 بقيمة إجمالية بلغت 225 مليون دولار لدعم خدمات المياه والصحة في سوريا، توزعت، وفق الأرقام التي أوردها، بين 150 مليون دولار لقطاع المياه و75 مليوناً لتعزيز الرعاية الصحية الأولية.

لكنه يؤكد أن الحكم على عدالة توزيع هذه التمويلات لا يعتمد على قيمتها الإجمالية وحدها، بل يتطلب معرفة المناطق التي ستنفذ فيها المشاريع، وحصة كل محافظة، وعدد المستفيدين، ومدى انعكاس الإنفاق على مستوى الخدمات.

ويدعو في هذا الإطار إلى اعتماد معايير معلنة لتوزيع الموازنات، تأخذ في الحسبان عدد السكان ومستويات الفقر وحجم الدمار ونقص الخدمات، مع تخصيص دعم إضافي للمناطق الأقل قدرة على تمويل احتياجاتها.

كما يشدد على ضرورة ربط توسيع صلاحيات الإدارات المحلية بتوفير التمويل والكوادر المؤهلة، وإخضاع الإنفاق لآليات رقابة واضحة، ونشر بيانات دورية عن المشاريع ومراحل تنفيذها.

ويشير إلى اختلاف الأولويات من منطقة إلى أخرى؛ إذ تحتاج درعا والسويداء، بحسب طرحه، إلى دعم الزراعة وتحسين ارتباطها بالأسواق، بينما تتطلب تدمر وريف حمص استثمارات في البنية التحتية والنقل، في حين تبرز في الرقة والحسكة ودير الزور احتياجات تتعلق بالكهرباء والمياه ودعم القطاعات الإنتاجية.

ويخلص شوفان إلى أن تقليص الفجوة التنموية يتطلب تحديد الأولويات استناداً إلى واقع كل محافظة، ومنح الإدارات المحلية دوراً أوسع في اختيار المشاريع، مع ربط الإنفاق بنتائج قابلة للقياس والمساءلة.

تركّز الاستثمارات في العاصمة

من جانبه، يرى الدكتور بيير خوري، الكاتب المتخصص في الاقتصاد السياسي والمقيم في بيروت، أن المسافة عن دمشق ليست العامل الحاسم في تفسير تفاوت التنمية بين المحافظات، بل إن تأثيرها يتضاعف بفعل طريقة إدارة الدولة وتوزيع الموارد والاستثمارات.

وفي حديثه لموقع «963+»، يستشهد خوري ببيانات عن تسجيل الشركات محدودة المسؤولية خلال النصف الأول من عام 2025، تفيد بأن دمشق وريفها استحوذا على أكثر من 80% من الشركات المسجلة حديثاً، مقابل حصة لم تتجاوز 8% لحلب.

ويعتبر أن هذه الأرقام تطرح تساؤلات بشأن توزيع النشاط الاقتصادي بين المناطق السورية، خصوصاً في ضوء الدور الصناعي والتجاري الذي أدته حلب قبل عام 2011، وما شهدته المحافظة من تراجع خلال سنوات الحرب.

لكن هذه المؤشرات، بحد ذاتها، لا تكفي لإثبات وجود تمييز في توزيع الإنفاق الحكومي، إذ إن تسجيل الشركات يعكس أيضاً قرارات القطاع الخاص، ومدى توافر البنية التحتية والتمويل والبيئة الملائمة للأعمال.

ويشير خوري كذلك إلى مذكرات تفاهم وقعتها الحكومة في آب 2025 بشأن 12 مشروعاً استثمارياً، بقيمة إجمالية معلنة بلغت 14 مليار دولار. ومن بين المشاريع التي ذكرها توسيع مطار دمشق بقيمة أربعة مليارات دولار، ومشروع مترو العاصمة بقيمة ملياري دولار، وأبراج دمشق بقيمة ملياري دولار، وأبراج البرامكة بقيمة 500 مليون دولار.

وتبلغ القيمة الإجمالية لهذه المشاريع الأربعة، وفق الأرقام المذكورة، 8.5 مليارات دولار، أي أكثر من 60% من إجمالي قيمة المشاريع المعلنة.

ويرى خوري أن تمركز هذه المشاريع في العاصمة يفتح باب النقاش حول التوازن الجغرافي للاستثمارات الكبرى، لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى ضرورة التمييز بين الإعلان عن مشاريع مستقبلية وتنفيذها فعلياً، وبين حجم الاستثمار المعلن والأثر الاقتصادي الذي يتحقق على الأرض.

ويؤكد أن تقييم عدالة توزيع الموارد يتطلب بيانات تفصيلية عن الموازنات العامة والإنفاق الحكومي بحسب المحافظات، ومقارنتها بعدد السكان ومستويات الحرمان وحجم الأضرار وكلفة تقديم الخدمات. ومن دون هذه البيانات، يصعب الوصول إلى حكم نهائي بشأن مدى التوازن في توزيع الإنفاق العام.

اللامركزية بين الصلاحيات والموارد

يربط خوري تركّز النشاط الاقتصادي في دمشق، جزئياً، بوجود مراكز صنع القرار والمؤسسات المعنية بالتراخيص والإجراءات الإدارية، معتبراً أن المركزية التي اتسم بها نظام الحكم السابق أسهمت في ربط جوانب من النشاط الاقتصادي والإداري في المحافظات بالعاصمة.

ويقول إن معالجة هذا الواقع تحتاج إلى تغيير آليات الإدارة وتوزيع الصلاحيات والموارد، وليس الاكتفاء بتغيير السلطة السياسية. فاللامركزية الإدارية، وفق رأيه، لا تحقق أهدافها بمجرد نقل بعض الاختصاصات إلى الإدارات المحلية، ما لم تتوافر لها موازنات كافية وكوادر قادرة على التخطيط والتنفيذ.

وفي المقابل، يحذر من أن توسيع صلاحيات الإدارات المحلية من دون شفافية ومساءلة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج أنماط المركزية على المستوى المحلي، بدلاً من معالجة الاختلالات القائمة.

ويشدد على أهمية وضع معايير واضحة لتوزيع التحويلات المالية بين المحافظات، ونشر الموازنات ونسب إنجاز المشاريع بصورة دورية، بما يسمح بتقييم أداء المؤسسات ومقارنة النتائج بالاحتياجات الفعلية.

كما يدعو إلى توجيه الاستثمارات وفق الإمكانات الاقتصادية لكل منطقة، بما يشمل دعم النشاط الزراعي في الجزيرة السورية، وإعادة تنشيط الصناعة في حلب، والاستفادة من الفرص السياحية على الساحل السوري، إلى جانب تطوير القطاعات القادرة على توفير فرص عمل ودعم الإنتاج المحلي.

ويخلص خوري إلى أن تقليص الفوارق التنموية بين دمشق والمحافظات يتطلب إتاحة البيانات المالية، واعتماد معايير معلنة لتوزيع الموارد، وتوسيع قدرة الإدارات المحلية على اتخاذ القرار ضمن نظام رقابي واضح.

وبين اختلاف الاحتياجات المحلية وتفاوت مستويات التعافي وتركيز جانب من النشاط الاقتصادي في العاصمة، تبقى معالجة الفجوة التنموية مرتبطة بمدى قدرة السياسات الحكومية على توزيع الموارد وفق معايير واضحة، وتحويل الخطط الاستثمارية إلى مشاريع منفذة، وقياس أثرها الفعلي على الخدمات وفرص العمل ومستوى المعيشة في مختلف المحافظات السورية.

اقرأ أيضاً:تحرك تشريعي جديد في الكونغرس الأميركي: “آلية العودة التلقائية للعقوبات” تعقّد مسار تخفيف الضغط عن سوريا

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.