الزراعة في سوريا.. تحديات مستمرة لضمان الأمن الغذائي
يشهد القطاع الزراعي في سوريا مرحلة حرجة منذ سنوات، نتيجة تراكم آثار الحرب الواسعة على البنية التحتية، إلى جانب الضغوط البيئية والاقتصادية، بما في ذلك شح الموارد المائية وارتفاع تكاليف الإنتاج. ويعد القطاع الزراعي الركيزة الأساسية للأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، خصوصاً في المناطق الريفية التي يعتمد سكانها على الأرض كمصدر رئيسي للمعيشة.
وتعرضت مساحات زراعية واسعة للتدمير أو التحويل إلى مناطق عسكرية، كما تضررت شبكات الري والسدود والآبار، وتوقفت مشاريع الاستصلاح الزراعي. وأدت هذه العوامل إلى تراجع القدرة الإنتاجية، فيما أسهم انهيار سعر صرف الليرة وارتفاع أسعار الوقود والأسمدة والبذور في رفع كلفة الإنتاج وتقليص المساحات المزروعة، مع تفاقم كساد المحاصيل في بعض المناطق وارتفاع أسعار الغذاء في مناطق أخرى.
كما تواجه الزراعة تحديات بيئية متزايدة، أبرزها شح المياه وتذبذب معدلات الهطول، مع انخفاض منسوب المياه الجوفية واستنزاف الآبار، وارتفاع درجات الحرارة، ما أسهم في زيادة موجات الجفاف وتراجع خصوبة التربة. إضافة إلى ذلك، يمثل انتشار الآفات والأمراض الزراعية تحدياً إضافياً في ظل ضعف القدرة على استخدام المبيدات والأسمدة بفاعلية بسبب الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار.
وقالت الباحثة لانا بدفان إن إنتاجية المحاصيل الأساسية انخفضت بنحو 60% خلال العقد الماضي، نتيجة الدمار الذي لحق بالمزارع والسدود ومرافق التخزين، إلى جانب هجرة الكفاءات الزراعية ونزوح الخبرات، ما تسبب في نقص المهارات الزراعية الحديثة وتأثر فعالية الإنتاج. وأكدت بدفان على أهمية اعتماد استراتيجيات شاملة لإعادة تأهيل نظم الري وتوفير قروض ميسرة ودعم مباشر للمزارعين، إلى جانب برامج تعليمية وتدريبية لرفع الإنتاجية وضمان استدامة القطاع.
ويشير المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة إلى أن القطاع الزراعي شهد انهياراً واسعاً منذ الحرب، ما حول البلاد من دولة مصدّرة للغذاء إلى دولة مهددة بانعدام الأمن الغذائي. وكان القطاع الزراعي قبل عام 2011 يمثل نحو 17.6% من الناتج المحلي الإجمالي، ويعمل فيه قرابة 800 ألف شخص، مع مساهمة كبيرة في الصادرات. إلا أن السياسات الاقتصادية قبل الحرب ورفع الدعم عن القطاع أدت إلى تراجع إنتاجيته وارتفاع تكاليفه، فيما أضافت الحرب أضراراً جسيمة بالبنية التحتية وحرائق وحصارات على المحاصيل، مما أدى إلى انخفاض إنتاج القمح والقطن والشوندر السكري بشكل كبير.
ويرى المحلل الاقتصادي الدكتور بسام الزعبي أن التحديات الحالية تشمل نقص المعدات الزراعية وغياب المبيدات والأسمدة المناسبة، ما يقلل الإنتاجية ويزيد الأعباء على المزارعين. وأوضح أن تعزيز الشراكات بين المزارعين والشركات الاستثمارية المحلية والأجنبية يساهم في تطوير أساليب الإنتاج ونقل الخبرات وتقنيات الزراعة الحديثة، بما يدعم استقرار القطاع ويضمن الأمن الغذائي على المدى الطويل.
يؤكد الخبراء أن إنقاذ الزراعة السورية أصبح ضرورة لضمان الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، وأن المرحلة المقبلة تتطلب استثماراً ودعماً حقيقياً للقطاع، بما يعزز قدرة المزارعين على مواجهة التحديات البيئية والاقتصادية المتزايدة وتحقيق إنتاج مستدام.