مرضى السرطان في حمص أمام نقص الأدوية.. نصف الاحتياج فقط متاح

في قسم الأورام بمستشفى كرم اللوز الوطني في حمص، لا تتوقف معاناة مرضى السرطان عند وطأة المرض. فالعلاج نفسه يتحول إلى رحلة إضافية من الانتظار والبحث عن الدواء وتأمين الدم، بينما يعمل القسم بطاقة أقل كثيراً من حجم الطلب عليه. وبينما تسجل مديرية صحة حمص 4192 إضبارة لمرضى السرطان ضمن البرنامج الوطني للأورام، لا تغطي الإمكانات الدوائية المتاحة سوى نحو نصف الاحتياجات، بحسب مدير الصحة.

القسم يستقبل قرابة 2000 مراجعة شهرياً، ويقدم مئات الجرعات الكيماوية والمناعية، لكنه لا يملك ما يكفي لضمان انتظام العلاج لجميع المرضى. وفي مرض السرطان، حيث يرتبط العلاج بمواعيد وبروتوكولات دقيقة، لا يبدو تأجيل الجرعة مجرد تأخير إداري، بل انقطاعاً في مسار علاجي قد تكون له تبعات ثقيلة على المريض.

دواء مفقود وجرعة تكلف ملايين

تصف مراجعة المستشفى، اكتمال الوعر، واقع القسم بالصعب، بعدما اضطرت إلى شراء مروحة لوالدتها بسبب ضعف التهوية والتكييف داخل غرفة العلاج، فيما واجهت الأسرة تأجيل بعض الجرعات نتيجة فقدان أدوية كيماوية من صيدلية المستشفى.

وتصل تكلفة الجرعة التي تحتاج إليها والدتها إلى نحو 2.5 مليون ليرة سورية جديدة، ما يجعل انقطاع الدواء في المستشفى عبئاً يتجاوز قدرة كثير من الأسر على الاحتمال. ولا تقتصر الكلفة على الدواء، إذ تضطر بعض العائلات إلى شراء مستلزمات طبية وتأمين أكياس الدم أو البحث عن متبرعين، في ظل إجراءات كانت تربط الحصول على مشتقات الدم بتأمين المتبرعين.

ويقول رئيس قسم الأورام، الدكتور محمود درويش، إن نقص جرعات العلاج الكيماوي والمناعي قد يؤدي إلى تأجيل مواعيد بعض المرضى، وفي حالات معينة تمر أشهر من دون حصول المريض على العلاج المطلوب.

ولا تتوقف الفجوة عند الأدوية. فالقسم يفتقر إلى مخبر للتشريح المرضي والواسمات الورمية والتلوينات النسيجية، ما يضطر المرضى إلى استكمال بعض الإجراءات التشخيصية خارج المستشفى.

15 سريراً و40 كرسياً لآلاف المراجعات

تبلغ الطاقة الاستيعابية الحالية للقسم 15 سرير إقامة و40 كرسياً لتسريب الجرعات، وهي أرقام تبدو محدودة أمام حجم المراجعات الشهرية. ويعمل في القسم ثلاثة اختصاصيين فقط، إلى جانب نقص الأطباء المقيمين والتمريض، خصوصاً في المناوبات المسائية.

ويقول مدير المستشفى، الدكتور نزار رستم، إن بعض الأدوية تشهد انقطاعاً كاملاً، ومنها “هيرسبتين” بعياريه، و”دوكسوروبيسين” و”كابيسيتابين” و”زيتاكس”، بينما تتوافر أدوية أخرى بصورة جزئية وتتخللها انقطاعات متكررة.

وفي المقابل، يقدم القسم نحو 800 جرعة كيماوية ومناعية شهرياً وفق رئيس القسم، في وقت تشير مديرية الصحة إلى تقديم 1221 جرعة عبر 40 كرسياً خلال فترة الرصد. وتكشف الأرقام حجم التناقض بين الطلب المتزايد والقدرة المحدودة على الاستجابة.

أطفال السرطان يدفعون كلفة نقص الخدمات

تزداد قسوة النقص عندما يتعلق الأمر بالأطفال. أحمد السعود، والد الطفلة جود البالغة تسع سنوات، يقول إن تحسن القسم بعد تجهيز غرف جديدة خفف جزءاً من الازدحام، لكنه لا يلغي اضطرار الأسرة إلى شراء بعض الأدوية من خارج المستشفى عند عدم توافرها.

كما تضطر الأسرة إلى السفر المتكرر إلى دمشق للحصول على جرعات الأشعة، بما يرافق ذلك من نفقات نقل ودواء ورعاية وإرهاق لطفلة تخوض علاجاً مرهقاً أساساً.

ويطالب السعود بجناح مستقل للأطفال المصابين بالسرطان، وكادر متخصص وبيئة تراعي أعمارهم، إضافة إلى وسيلة نقل آمنة لمن يحتاجون إلى العلاج خارج حمص.

الحكومة تؤجل الحل إلى 2027

تقول مديرية صحة حمص إن وزارة الصحة أبرمت اتفاقيات مع جمعيات رسمية لتغطية جزء من النقص، كما جرى تعديل آلية تأمين الدم بحيث يتولى موظف من المستشفى استلام الطلبات من بنك الدم وإحضار المشتقات، مع إعفاء ذوي المرضى من شرط تأمين المتبرعين.

لكن هذه الإجراءات تأتي في وقت لا تزال فيه المديرية نفسها تقر بأن الأدوية الكيماوية والعلاجات الهدفية والمناعية المتوافرة لا تغطي سوى نحو 50% من الاحتياجات.

أما الحل الأكبر، فيتمثل بقسم الأورام المستقل في مستشفى حمص الكبير، الذي يفترض أن يدخل الخدمة مطلع 2027، بينما يتوقع إنجاز قسم المخبر بنهاية 2026.

وهكذا يبقى مرضى كرم اللوز أمام واقع لا يتناسب مع حجم حاجتهم: نصف الاحتياج الدوائي فقط متاح، والكوادر أقل من المطلوب، والمخبر النوعي غير مكتمل، والقدرة الاستيعابية محدودة، فيما يُرحّل جزء أساسي من الحل إلى مشروع مستقبلي.

المشكلة هنا ليست في نقص دواء واحد أو ازدحام قسم بعينه، بل في طريقة إدارة علاج مرضى السرطان باعتباره خدمة يمكن احتمال انقطاعها. فالمريض الذي يحتاج إلى جرعة في موعدها لا يستطيع انتظار اكتمال مشروع بعد أشهر، ولا يستطيع تحويل علاجه إلى قائمة مشتريات خاصة كلما غاب الدواء من المستشفى.

وبين وعود التوسعة واتفاقيات الدعم والآلية الجديدة للدم، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً متعلقاً بما يحصل عليه المريض الآن، لا بما قد يتوافر في 2027. فحين يصبح الحصول على العلاج مرهوناً بقدرة الأسرة على الدفع أو السفر أو تأمين متبرع، تتحول الرعاية الصحية العامة تدريجياً إلى امتياز لا يملكه الجميع.

 

اقرأ ايضاً: انخفاض التمويل يهدد خدمات جمعية “بسمة” لعلاج أطفال السرطان

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.