المدن الصناعية السورية تتوسع لاستعادة الإنتاج.. والطاقة والتمويل يحددان فرص النمو

تتحول المدن الصناعية الكبرى في سوريا، ولا سيما عدرا وحسياء والشيخ نجار، إلى محور رئيسي في محاولات إعادة تنشيط الإنتاج المحلي وجذب الاستثمارات، مع توجه حكومي لتوسيع المساحات الصناعية واستيعاب منشآت جديدة بعد سنوات من تراجع النشاط والأضرار التي لحقت بالبنية الإنتاجية

وتشير بيانات نقلها الخبير الاقتصادي والمصرفي إبراهيم نافع قوشجي إلى أن مساهمة المدن الصناعية الثلاث في الناتج المحلي ارتفعت بين عامي 2024 و2026 بنسبة تراوحت بين 50 و80%، مع تسجيل عدرا الحجم الأكبر من النشاط الصناعي، مقابل تقدم الشيخ نجار من حيث معدل النمو النسبي

ويعكس هذا التحسن دخول عشرات المنشآت الجديدة إلى الإنتاج، بالتزامن مع تحسن تدريجي في خدمات البنية التحتية وعودة جزء من الصناعات التقليدية إلى العمل، إلا أن استمرار هذا المسار يبقى مرتبطاً، وفق قوشجي، بقدرة السلطات على معالجة مشكلات الطاقة وسلاسل الإمداد بصورة مستدامة

استثمارات جديدة وخطط لتوسيع المدن الصناعية

تُظهر بيانات حديثة لوزارة الاقتصاد والصناعة السورية حضوراً للاستثمارات العربية والأجنبية في عدد من المدن الصناعية، مع بروز المستثمرين الأتراك في مدينة الراعي الصناعية بنسبة تتجاوز 50%، وفي باب الهوى بأكثر من 30%

كما عاد المستثمرون الأتراك إلى مدينة الشيخ نجار في حلب بنسبة تتجاوز 5%، في حين يمثل المستثمرون العرب، ومن بينهم مستثمرون من السعودية ومصر والأردن، نحو 5% من إجمالي الاستثمارات في مدينة عدرا بريف دمشق

ويتركز جزء كبير من الاهتمام الاستثماري في المدن الصناعية الكبرى الثلاث، بالتزامن مع توجه حكومي لزيادة المساحات المخصصة للنشاط الصناعي

وتشمل خطط التوسع:

  • عدرا: زيادة مساحة المدينة، التي تبلغ حالياً نحو 7000 هكتار، وهي الأكبر في سوريا من حيث المساحة، مع إمكانية توسعتها
  • حسياء: إضافة نحو 10,000 هكتار على مراحل إلى المدينة الواقعة في حمص، والتي تبلغ مساحتها الحالية 2500 هكتار وتوفر أكثر من 20,000 فرصة عمل في قطاعات بينها البتروكيميائيات والطاقة المتجددة
  • الشيخ نجار: استكمال المخطط التنظيمي الجديد للمدينة التي كانت تضم سابقاً أكثر من 50,000 فرصة عمل على مساحة 4500 هكتار، من خلال التعاقد مع شركة تطوير عقاري لتجهيز مساحة تبلغ 1.5 مليون متر مربع، مع التحضير لعقد مماثل لتجهيز مساحة إضافية بالحجم نفسه

تعافٍ متفاوت بين عدرا وحسياء والشيخ نجار

شهدت المدن الصناعية الثلاث تغيرات ملحوظة خلال الفترة الممتدة بين 2024 و2026، سواء على مستوى الإنتاج أو توسع المقاسم أو مؤشرات السطوع الليلي الصناعي التي تستخدم لرصد النشاط الفعلي على الأرض

لكن قوشجي يرى أن توحيد الإدارة المركزية لهذه المدن لا يعني تشابه ظروف التشغيل فيها، إذ تختلف مزايا كل مدينة والتحديات التي تواجهها

وتتمتع عدرا الصناعية بقربها من دمشق وارتباطها بشبكة طرق مركزية، إلى جانب توفر الخدمات اللوجستية والمصرفية بصورة أفضل نسبياً، وهو ما يخفف تكاليف التشغيل مقارنة بمدن أخرى

أما حسياء الصناعية فتستفيد من موقعها على محور دولي، وتضم صناعات هندسية وكيميائية وغذائية، فيما شهدت المقاسم فيها توسعاً سريعاً خلال عامي 2025 و2026

وفي الشيخ نجار بحلب، ورغم توسع المدينة ودخول منشآت عديدة إلى مرحلة الإنتاج، لا تزال تحديات الطاقة والنقل وسلاسل التوريد أكثر حضوراً، نتيجة الأضرار السابقة وبعد المدينة عن المرافئ، إضافة إلى عدم وجود خدمات مصرفية داخلها

الطاقة والنقل والتمويل تضغط على الصناعة

لا تزال تكلفة التشغيل واحدة من أبرز العقبات أمام قدرة المدن الصناعية السورية على المنافسة، وفق قوشجي، الذي يحدد مجموعة من العوامل المؤثرة في كلفة الإنتاج

ويأتي ملف الطاقة في مقدمة هذه التحديات، إذ يؤدي انقطاع الكهرباء والاعتماد على المولدات إلى رفع التكاليف بنسبة قد تصل إلى 40%

كما يرفع غياب الربط السككي تكلفة نقل البضائع داخلياً وخارجياً، بينما يؤدي عدم وجود فروع مصرفية داخل المدن الصناعية إلى إبطاء حركة رأس المال وتأخير العمليات الإنتاجية

وتشكل صعوبة تحويل الأرباح بالقطع الأجنبي إلى الخارج عائقاً أمام توسع المستثمرين، بالتزامن مع ارتفاع تكلفة تأمين المواد الأولية نتيجة ضعف سلاسل الإمداد

وبحسب قوشجي، انعكست هذه الظروف على القدرة التنافسية للمنتجات السورية بصورة متفاوتة، إذ تتمتع بعض القطاعات، ومنها النسيج والصناعات الهندسية، بقدرة أفضل على المنافسة، بينما تواجه صناعات أخرى صعوبات أكبر بسبب اعتمادها على الطاقة المستقرة أو المواد الأولية المستوردة

تسهيلات استثمارية لكن عوائق أمام المستثمر الأجنبي

اتخذت الحكومة السورية خلال 2025 و2026 مجموعة من الإجراءات لتحفيز الاستثمار في المدن الصناعية، من بينها خفض الدفعة الأولى لشراء المقاسم إلى 5%، وإتاحة التقسيط على خمس سنوات، إلى جانب إعفاءات جمركية وضريبية وتخفيض رسوم نقل الملكية

وساهمت هذه الإجراءات في تحسين جاذبية الاستثمار المحلي وزيادة عدد المنشآت المكتتبة، إلا أنها لم تحل، وفق التقييم الذي قدمه قوشجي، المشكلات التي تحد من دخول المستثمرين الأجانب، وفي مقدمتها القيود المالية وغياب الضمانات القانونية وصعوبة تحويل الأرباح إلى الخارج

ويرى الخبير أن مشاريع التوسع تظل ذات جدوى اقتصادية رغم وجود مقاسم غير مستثمرة، خصوصاً أنها تستهدف إنشاء مقاسم مجهزة ببنية تحتية حديثة، وتطوير مناطق صناعية متخصصة، واستيعاب الطلب المتوقع على الصناعات الهندسية والكيميائية

لكن نجاح هذه المشاريع، بحسب قوشجي، يتطلب ربط التوسع بخطط إنتاج وتشغيل فعلية، بحيث لا يتحول إلى مجرد زيادة في المساحات أو توسع عمراني دون نشاط صناعي مستدام

أين يمكن للصناعة السورية أن تنافس؟

يرى قوشجي أن فرص المنافسة الإقليمية تختلف باختلاف القطاعات، مع وجود إمكانات خاصة لبعض الصناعات

ويتمتع قطاع النسيج في الشيخ نجار بميزة تاريخية وأسواق قائمة في العراق ولبنان، بينما يمكن للصناعات الهندسية والكيميائية في عدرا وحسياء أن تنافس في أسواق الخليج إذا توفرت الطاقة وخُفضت تكاليف الإنتاج

أما الصناعات الغذائية، فيرى الخبير أنها تملك فرصة جيدة للوصول إلى الأسواق الإقليمية مستفيدة من انخفاض تكلفة العمالة

ولتثبيت هذه القطاعات وتحويل المدن الصناعية إلى محركات للنمو، يقترح قوشجي حزمة من الإجراءات تشمل فتح فروع مصرفية وكوات للحسابات الجارية والحوالات داخل المدن الصناعية، والسماح بتحويل أرباح المستثمرين المحليين والأجانب بالقطع الأجنبي إلى الخارج

كما يدعو إلى ربط المدن الصناعية بشبكة السكك الحديدية، بما يمكن أن يخفض تكاليف النقل بنسبة تتراوح بين 20 و30%، وتأمين الطاقة عبر محطات تحويل خاصة أو مشاريع للطاقة المتجددة

وتشمل المقترحات أيضاً خفض تكلفة المقاسم وربط ذلك بإعفاءات ضريبية للمشاريع المنتجة، وإنشاء مناطق لوجستية مشتركة لتقليل تكاليف التخزين والنقل، إلى جانب تطوير منصات رقمية للترخيص والمتابعة، وتوفير المياه الصناعية بأسعار مدعومة للصناعات الكيميائية والهندسية

هل يكفي توسيع المدن الحالية؟

ولا يقتصر النقاش حول مستقبل الصناعة السورية على زيادة مساحة المدن القائمة، إذ يرى محمد الحلاق، الخبير الاقتصادي وعضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق سابقاً، أن التوسع الحالي يمثل خطوة مناسبة للمرحلة، في ظل توقعات بدخول استثمارات وصناعات جديدة قد تتجاوز الطاقة الاستيعابية للمناطق الموجودة

ويشير الحلاق إلى ضرورة التمييز بين طبيعة الصناعات عند تحديد مواقعها، بحيث يمكن السماح للصناعات الزراعية بالعمل خارج المدن الصناعية، لضمان قربها من الأراضي الزراعية والمناطق الريفية ومصادر المواد الأولية

في المقابل، يرى أن الصناعات التحويلية والتقليدية، مثل الكيميائية والهندسية، من الأفضل تركيزها داخل المدن الصناعية للاستفادة من التكامل الصناعي والخدمات اللوجستية المرتبطة بالطرق الدولية والمراكز الجمركية وسلاسل التوريد

ويحذر الحلاق من الاكتفاء بتوسيع المدن الصناعية الموجودة، داعياً إلى إنشاء مدن جديدة في مختلف المحافظات، لتجنب تركّز الصناعات الاستراتيجية في نطاق جغرافي واحد

ويرى أن توزيع النشاط الصناعي جغرافياً يقلل المخاطر المرتبطة بالأزمات والكوارث الطبيعية والسيول، التي يمكن أن تؤدي في حال تركّز قطاعات إنتاجية واسعة في منطقة واحدة إلى تعطيلها دفعة واحدة

توزيع الصناعة وفق مزايا المحافظات

ويربط الحلاق نجاح إنشاء المدن الصناعية الجديدة بضرورة مراعاة الخصائص الاقتصادية والجغرافية لكل محافظة

ويشمل ذلك اختيار المواقع وفق قربها من الطرق الرئيسية والموانئ، مثل موانئ اللاذقية وطرطوس، ومصادر المواد الخام، إلى جانب توفر العمالة الماهرة وقربها من أسواق التصريف وتسهيل نقل المنتجات

كما يدعو إلى الاستفادة من قدرة محافظات مثل حماة وإدلب وحمص على استيعاب تجمعات صناعية جديدة، بما يساهم في توزيع النشاط الإنتاجي بين المناطق السورية بدلاً من حصره في المدن الصناعية الكبرى الحالية

وتشير هذه الرؤية إلى أن توسعة المدن الصناعية لا ترتبط فقط بزيادة عدد المقاسم، بل بقدرة البنية التحتية والطاقة والنقل والتمويل على مواكبة النشاط الجديد

وفي ظل استمرار الحاجة إلى إعادة تأهيل البنية الإنتاجية، تبدو قدرة المدن الصناعية على التحول إلى محركات مستقرة للنمو مرتبطة بمدى معالجة هذه الاختناقات، بالتوازي مع توزيع النشاط الصناعي جغرافياً وتوفير بيئة تسمح للمشاريع بالإنتاج والتوسع

اقرأ أيضاً:المناطق الحرة السورية تستعد لمئات العقود الجديدة وتقترب من ألف مستثمر

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.