السويداء..مفاوضات سرية لدمج «الحرس الوطني» في المؤسسات الحكومية

تجري الحكومة الإنتقالية السورية وحكمت الهجري، وفق مصدر خاص لـ«المدن»، مفاوضات سرية تهدف إلى التوصل لتسوية بشأن الوضع في السويداء، تتضمن بحث دمج عناصر «الحرس الوطني» في وزارة الدفاع، إلى جانب إعادة الموظفين المدنيين إلى مؤسسات الدولة وربط المؤسسات المحلية بالوزارات السورية.

وبحسب المصدر، تجاوزت المباحثات ملفات وقف إطلاق النار وتبادل المحتجزين، لتصل إلى جوهر الخلاف المتعلق بشكل العلاقة بين السويداء والدولة السورية. ويجري النقاش، وفق المصدر، حول صيغة تتيح إعادة مؤسسات الدولة إلى المحافظة من دون أن يُنظر إلى التسوية محلياً باعتبارها تخلياً عن القوى التي تشكلت خلال المرحلة الماضية لحماية المنطقة.

وتتشابه الصيغة التي يجري بحثها، وفق المعطيات الواردة، مع نموذج الاتفاق الموقع بين الحكومة السورية و«قسد» في 10 آذار/مارس 2025، ولا سيما في ما يتعلق بدمج المؤسسات المدنية والقوى العسكرية ضمن هياكل الدولة.

تبادل الأسرى مهّد لفتح قنوات التفاوض

كان ملف المحتجزين من بين الملفات التي ساعدت في فتح قنوات التواصل بين الحكومة السورية و«الحرس الوطني»، بعد فترة اتسمت بانعدام الثقة.

وجرى، بوساطة أميركية، تبادل أسرى بين الجانبين شمل الإفراج عن 61 موقوفاً من أبناء السويداء مقابل 25 شخصاً كانوا محتجزين لدى الفصائل المسلحة.

ورغم محدودية التبادل مقارنة بحجم الأزمة في المحافظة، فإن إتمامه حمل دلالة سياسية، إذ أظهر إمكانية التوصل إلى تفاهمات وتنفيذها في ملف حساس، حتى في ظل استمرار الخلاف حول الملفات الأساسية.

السلاح يبقى العقدة الأبرز

وفق المصدر الخاص، لا تمثل إعادة الموظفين المدنيين إلى وزاراتهم أو استئناف عمل الدوائر الحكومية العقبة الأساسية أمام التسوية، وإنما يتركز الخلاف الأكبر حول مصير السلاح والقوى المسلحة في السويداء.

ويضم «الحرس الوطني» تشكيلات ومجموعات وقادة ومقاتلين تشكلوا خلال سنوات الصراع، وترتبط بعض هذه القوى بعلاقات سياسية داخلية وخارجية. ولذلك فإن معالجة وضعه لا تبدو، بحسب المصدر، مسألة يمكن حسمها بقرار إداري منفرد.

ويرى جزء من عناصر هذه القوى أنه حمل السلاح خلال مرحلة لم تكن فيها الدولة قادرة على توفير الأمن، وأن التخلي عنه من دون ضمانات قد يترك المحافظة عرضة للمخاطر. في المقابل، تتمسك دمشق بأن يكون السلاح خاضعاً لسلطة الدولة.

ويتمثل جانب أساسي من المفاوضات في محاولة إيجاد ضمانات للقوى المحلية بأن عودة مؤسسات الدولة لن تعني استئناف الاعتقالات أو فتح ملفات الانتقام والمحاسبة، مقابل انتقال القرار العسكري والأمني تدريجياً إلى مؤسسات الدولة.

تجربة «قسد» حاضرة في حسابات السويداء

تستند المقارنة مع «قسد» إلى تجربة المفاوضات بين دمشق والقوى المسيطرة في شمال شرقي سوريا، حيث واجهت الحكومة ملفاً واسعاً يشمل عشرات آلاف الموظفين والمدارس والمجالس المحلية والمؤسسات الخدمية والملفات المالية، إلى جانب آلاف المقاتلين.

وبدلاً من معالجة هذه الملفات دفعة واحدة، جرى طرح ترتيبات تدريجية تتضمن إعادة المؤسسات المدنية إلى الدولة، مع الحفاظ على الوظائف بالنسبة إلى الموظفين الذين عملوا في مؤسسات الإدارة الذاتية، إلى جانب التعامل مع الملف العسكري من خلال ترتيبات دمج ضمن وزارة الدفاع.

وتبقى هذه التجربة، رغم تعقيداتها ومشكلاتها، نموذجاً قائماً أمام دمشق عند بحث مستقبل القوى المحلية في السويداء.

وبحسب المعطيات الواردة، قد تتضمن التسوية في السويداء الإبقاء على بعض التشكيلات خلال مرحلة انتقالية، لكن تحت قيادة وزارة الدفاع وتمويلها، على غرار الألوية الكردية الأربعة في الحسكة.

ولا يُتوقع، في المقابل، أن يكون انتقال السلاح دفعة واحدة أمراً سهلاً، ما يجعل خيار التنفيذ المرحلي، مقروناً بضمانات متبادلة، أحد السيناريوهات المطروحة في المفاوضات.

الهجري أمام معادلة داخلية معقدة

يمثل الدخول في مفاوضات حول دمج «الحرس الوطني» والموظفين المدنيين تحولاً في موقع حكمت الهجري السياسي، إذ ينتقل النقاش من رفض عودة مؤسسات الدولة بالشكل الذي كان قائماً قبل سقوط النظام السابق إلى التفاوض حول طبيعة هذه العودة وشروطها.

ولا يقتصر التحدي أمام الهجري على التفاوض مع الحكومة السورية، إذ يتعين عليه أيضاً التعامل مع مواقف متباينة داخل السويداء. فهناك من يدفع باتجاه اتفاق سريع مع دمشق، في حين يخشى آخرون أن يؤدي الدمج إلى فقدان السلاح والضمانات المحلية، بينما يطالب فريق ثالث بعلاقة جديدة مع الدولة تقوم على شروط مختلفة عن المرحلة السابقة.

وبالتالي، فإن نجاح أي تسوية سيعتمد أيضاً على قدرة الهجري على إقناع القوى المحلية بأن الاتفاق لا يعني التخلي عما حققته المحافظة، وإنما تحويل المطالب والضمانات إلى ترتيبات داخل مؤسسات الدولة.

ما الذي تريده دمشق؟

تواجه الحكومة السورية، وفق المعطيات المطروحة، خياراً أكثر تعقيداً من فرض صيغة واحدة بالقوة، ما يجعل دمج القوى المحلية في مؤسسات الدولة خياراً أكثر قابلية للنقاش من تفكيكها بصورة مباشرة.

وبالنسبة إلى دمشق، يفترض أن تعني عملية الدمج عودة المؤسسات إلى سلطة الدولة، وانتقال القرار الأمني إلى وزارتي الداخلية والدفاع، إلى جانب إعادة إدارة المال العام عبر المؤسسات الرسمية.

لكن هذا المسار يحتاج، في المقابل، إلى ضمانات واضحة للقوى المحلية. إذ سيكون من الصعب إقناع عناصر «الحرس الوطني» بالتخلي عن السلاح إذا بقي مصيرهم مجهولاً، كما أن إعادة الموظفين إلى مؤسسات الدولة تتطلب معالجة قضايا الرواتب والحقوق الوظيفية.

ويمثل ملف الاعتقالات والانتهاكات والانتقام أحد الملفات الأخرى التي قد تؤثر في مستوى الثقة بين الطرفين والمجتمع المحلي، خصوصاً في ظل المخاوف من أن تؤدي عودة مؤسسات الدولة إلى إعادة إنتاج ممارسات سابقة.

البعد الإسرائيلي في ملف السويداء

لا ينفصل النقاش حول مستقبل السويداء عن الدور الإسرائيلي في الجنوب السوري. فمنذ أحداث تموز/يوليو 2025، أصبحت المحافظة جزءاً أساسياً من الحسابات الإسرائيلية المرتبطة بالجنوب، فيما تحول ملف الدروز إلى أحد العناوين المستخدمة في المقاربة الإسرائيلية للوضع السوري.

ومن هذا المنطلق، تنظر دمشق إلى إعادة ربط السويداء بمؤسسات الدولة باعتبارها قضية تتجاوز البعد المحلي، إذ إن عودة مؤسسات الدولة قد تقلص مساحة التدخل الخارجي تحت عنوان حماية المحافظة.

وفي المقابل، فإن استمرار السويداء خارج منظومة الدولة قد يبقيها، وفق هذا التقدير، عرضة لتدخلات واستثمارات من أطراف إقليمية ودولية.

الدور الأميركي ومساعي منع التصعيد

حضرت الولايات المتحدة في عدد من مسارات التفاوض المرتبطة بالسويداء، كما كان لها دور في ملف «قسد». ويُنظر إلى هذا الحضور باعتباره مرتبطاً، من بين عوامل أخرى، برغبة واشنطن في تجنب اندلاع مواجهة جديدة في الجنوب السوري، ولا سيما في منطقة قريبة من إسرائيل والأردن.

وفي الوقت نفسه، لا تبدو الصيغة المطروحة قائمة على إنشاء كيان منفصل جديد داخل سوريا، بل على ترتيبات تحافظ على حقوق السكان المحليين وتمنع الانتقام، مع بقاء المنطقة ضمن الدولة السورية.

وتلتقي في هذا السياق بعض عناصر تجربة الحسكة مع ما يجري بحثه في السويداء. فالحكومة السورية تحتاج إلى الاستقرار، بينما تحتاج المحافظة إلى استعادة الخدمات والنشاط الاقتصادي والرواتب وفتح الطرق والأسواق، في حين تدرك القوى المحلية أن استمرار القطيعة مع دمشق يعني مواصلة الاعتماد على موارد محدودة وشبكات محلية.

هذه المصالح المتقاطعة قد تمنح المفاوضات فرصة للتقدم، لكنها لا تعني أن الوصول إلى اتفاق سيكون سريعاً أو سهلاً.

اختبار جديد لشكل الدولة السورية

في حال نجحت الحكومة السورية والهجري في التوصل إلى اتفاق، ستكون السويداء ثاني اختبار رئيسي لمسار إعادة دمج مناطق وقوى خرجت مؤسساتها وتشكيلاتها عن سلطة الدولة خلال سنوات الصراع.

ففي الحسكة، تختبر دمشق قدرتها على استيعاب «قسد» ومؤسسات الإدارة الذاتية، بينما تمثل السويداء اختباراً مختلفاً يتعلق بدمج قوة محلية ذات تركيبة اجتماعية وعسكرية خاصة ضمن مؤسسات الدولة.

وقد يساهم نجاح المسارين في تحديد شكل العلاقة بين الدولة والقوى التي نشأت خلال الحرب، عبر اعتماد الدمج التدريجي بدلاً من تفكيك هذه القوى بالقوة. أما تعثر التسوية، فقد يبقي البلاد أمام نموذج مناطق منفصلة تمتلك كل منها مؤسساتها وقواها الأمنية ومرجعياتها المحلية.

لكن الاختبار الأهم لأي اتفاق لن يكون لحظة الإعلان عنه، وإنما ما سيحدث بعد دخوله حيز التنفيذ: عودة الموظفين إلى أعمالهم وتلقي رواتبهم من الدولة، واستعادة المؤسسات الخدمية دورها، وانتقال مسؤولية الأمن إلى مؤسسات الدولة، ومعالجة ملفات الاعتقال والانتهاكات، وفتح الطرق والأسواق أمام السكان.

عندها فقط ستتضح طبيعة التسوية: هل ستعود السويداء إلى مؤسسات الدولة عبر اتفاق سياسي يضمن مصالح سكانها، أم سيبقى السلاح والمؤسسات المحلية عنواناً لاستمرار القطيعة مع دمشق؟

اقرأ أيضاً:صحيفة أمريكية: السويداء بين هواجس السيناريو الكردي وخيار الانفصال

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.