تصاعد التوتر في الساحل السوري: أزمة أمنية أم اقتصادية أم صراع سياسي إقليمي؟
شهد الساحل السوري خلال الأشهر الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في التوترات الأمنية والاحتجاجات الشعبية، ما أعاد فتح ملف هذه المنطقة الحساسة داخليًا وإقليميًا، وطرح تساؤلات جوهرية حول أسباب الأزمة الحقيقية وطبيعتها المركبة.
فبين روايات رسمية تُرجع الاضطرابات إلى ملاحقة ما تصفه بـ“فلول النظام السابق”، وتحليلات أخرى ترى في الأحداث انعكاسًا لأزمة أعمق تتداخل فيها العوامل الأمنية والاقتصادية والسياسية، يبرز الساحل السوري كساحة تراكمات طويلة لم تُعالَج، وضغوط راهنة تهدد استقراره الهش.
احتجاجات وأحداث عنف منذ آذار:
منذ آذار/مارس الماضي، شهدت مدن وبلدات الساحل، ولا سيما اللاذقية، احتجاجات متكررة وأحداث عنف، وسط تقارير حقوقية تتحدث عن استخدام الرصاص لتفريق متظاهرين.
وترافقت هذه التطورات مع تدهور الأوضاع المعيشية وازدياد المخاوف الشعبية، في مشهد يكشف تداخلًا واضحًا بين العوامل المحلية والتجاذبات الإقليمية والدولية.
هل الأزمة أمنية في الأساس؟
يرى الباحث السوري علي البيش أن البعد الأمني يشكّل أحد أعمدة أزمة الساحل، موضحًا أن وجود فصائل متطرفة تُكفّر غالبية سكان المنطقة، ولا تتردد في الاعتداء عليهم، خلق بيئة أمنية شديدة الخطورة.
وأضاف في حديثه لموقع ”963+” أن هذه البيئة عطّلت الحياة اليومية وفاقمت حالة الخوف وعدم الاستقرار، فوق ما هو معطّل أساسًا بفعل الأزمة الاقتصادية العامة.
ويتقاطع هذا الرأي مع طرح الكاتب درويش خليفة، الذي يعتبر في تصريح لـ”963+” أن جوهر المشكلة أمني–مجتمعي، مشيرًا إلى أن أهالي الساحل يعيشون منذ سقوط نظام بشار الأسد حالة من القلق، تغذّيها هواجس الانتقام من المكوّن العلوي، في ظل ذاكرة جماعية مثقلة بممارسات النظام السابق.
البعد الاقتصادي: عامل تفجير أم نتيجة للأزمة؟
اقتصاديًا، يربط البيش تدهور الأوضاع المعيشية في الساحل بـسياسات حكومية حديثة، أبرزها:
1- فصل أعداد كبيرة من الموظفين على أسس طائفية
2- حلّ منظومتي الجيش والشرطة
3- فقدان آلاف العائلات لمصادر دخلها
ما أدى إلى شلل شبه كامل للحياة الاقتصادية ووضع إنساني متفاقم.
ويؤكد خليفة أن سكان الساحل، ولا سيما من العلويين، اعتمدوا تاريخيًا على الوظائف الحكومية كمصدر رئيسي للدخل، ومع تجاوز نسبة الفقر 90% خلال السنوات الماضية، بات أي اهتزاز اقتصادي إضافي كفيلًا بتفجير الاحتقان الاجتماعي.
من جانبه، يرى الحقوقي إبراهيم عبدالرحمن أن الفصل من الوظائف وغياب الأمن وعدم التقدم في مسار العدالة الانتقالية شكّلوا بيئة طاردة للاستقرار، وأسهموا في تعميق الشعور بالإقصاء والتهميش.
البعد السياسي الداخلي وأزمة الثقة:
سياسيًا، يشير البيش إلى أن الخطاب العام المتطرف الذي يمنح الأفضلية لأهل السنّة والجماعة ويعلي من خطاب المظلومية السنية، أسهم في تكريس شعور بالتمييز ضد غالبية سكان الساحل، محوّلًا الأزمة من مطالب معيشية إلى أزمة هوية وأمان.
بدوره، يرى خليفة أن هناك توجهًا متصاعدًا للمطالبة بنموذج إداري فيدرالي يحدّ من تدخل السلطة المركزية، معتبرًا أن الحل يكمن في الانتقال من الصراع الفئوي إلى التنافس السياسي داخل مؤسسات تشريعية منتخبة.
ويحذّر عبدالرحمن من أن غياب الحوار السياسي واستمرار أزمة الثقة بين السلطة والمجتمع سيؤديان إلى ترحيل الأزمات بدل حلّها.
هل للأزمة أبعاد إقليمية ودولية؟
لا تنحصر أزمة الساحل السوري، بحسب البيش، في الداخل فقط، بل ترتبط بـصراع جيوسياسي دولي على سواحل البحر المتوسط.
ويشير إلى رفض إسرائيلي–روسي–أميركي لأي نفوذ تركي على الساحل، مقابل إصرار تركي على البقاء في معادلة المنطقة، ما حوّل الساحل إلى ساحة صراع مفتوحة ذات أهمية استراتيجية، خاصة في ما يتعلق بـخطوط الغاز والموانئ.
في المقابل، يحذّر عبدالرحمن من أن هذا الواقع الهش يفتح الباب أمام تدخلات خارجية أوسع، قد تعيد إنتاج الصراع بأدوات جديدة في ظل غياب تسوية وطنية جامعة.
أزمة واحدة أم أزمات متداخلة؟
يتفق الباحثون على أن أزمة الساحل السوري مركّبة، تتداخل فيها:
1- العوامل الأمنية
2- الأزمات الاقتصادية
3- الانقسامات السياسية
4- التدخلات الخارجية
ويرى عبدالرحمن أن أي معالجة أحادية ستكون قاصرة، لأن الأمن والاقتصاد والسياسة حلقات مترابطة تؤثر في بعضها البعض.
ويؤكد البيش أن الحل يبدأ بالملف الأمني، سواء عبر تفكيك الفصائل المتطرفة، أو عبر بناء سلطة لا تضطهد مكوّنًا بعينه، أو تشكيل حكومة تشاركية تتيح لجميع المكوّنات، بما فيها العلويون، دورًا فعليًا في إدارة مناطقهم.
الساحل السوري.. مرآة أزمة الدولة:
في المحصلة، يبدو الساحل السوري اليوم اختبارًا حقيقيًا لقدرة السلطة الانتقالية على إدارة التنوع وبناء الثقة وتقديم مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الجزئية.
فالأزمة، كما يخلص مراقبون، ليست أزمة منطقة فقط، بل مرآة مكبّرة لأزمة الدولة السورية بأكملها.
إقرأ أيضاً: لماذا خرجت تظاهرات الساحل السوري؟
إقرأ أيضاً: اعتقالات في صفوف العلويين تثير الجدل: ازدواجية أمنية وقمع للمظاهرات السلمية في الساحل السوري