مجالس الأعمال السورية.. سباق نحو الأسواق أم تكرار لتجارب سابقة؟

تتوسع الحكومة السورية في تشكيل مجالس أعمال مشتركة مع دول عربية وأجنبية، في محاولة لإعادة وصل الاقتصاد السوري بالأسواق الخارجية وتحويل العلاقات السياسية إلى شراكات تجارية واستثمارية. وتجاوز عدد هذه المجالس 20 مجلساً حتى الآن، فيما تستهدف الخطة الحكومية الوصول إلى 62 مجلساً خلال المرحلة المقبلة.

وتشمل الشبكة دولاً أوروبية مثل هولندا وإسبانيا والتشيك وقبرص، وأخرى خليجية بينها الكويت والإمارات، إلى جانب أذربيجان وأوزبكستان وباكستان، فضلاً عن دول ذات ثقل اقتصادي وسياسي مثل الصين والولايات المتحدة وبريطانيا وتركيا.

وبالتوازي، أُنشئ المجلس السوري لتنسيق مجالس الأعمال ليكون إطاراً جامعاً لتنظيم عمل هذه المجالس وربطها بوزارة الاقتصاد والصناعة والجهات الحكومية المعنية. لكن اتساع الشبكة يطرح سؤالاً أساسياً حول قدرتها على إنتاج نتائج اقتصادية فعلية، في ظل تجربة سابقة شهدت تشكيل عدد كبير من مجالس رجال الأعمال من دون نشاط ملموس على الأرض.

إطار موحد لتنظيم مجالس الأعمال

حدد القرار الوزاري رقم 25 مجموعة من المهام للمجلس السوري لتنسيق مجالس الأعمال، أبرزها تنظيم العلاقة بين مجالس الأعمال المشتركة ووزارة الاقتصاد والصناعة والجهات ذات الصلة، وتقديم الدعم اللازم لتسهيل أنشطتها ومساعدتها على تنفيذ أهدافها التجارية والاقتصادية.

ويتولى المجلس أيضاً إعداد اللوائح الإرشادية والتنظيمية لعمل المجالس ومتابعة الالتزام بها وبالقوانين والأنظمة النافذة، إلى جانب اقتراح مجالات للتعاون والمشاريع المشتركة التي تتوافق مع أولويات الاقتصاد السوري.

وتشمل مسؤولياته إعداد تقارير دورية عن نشاط المجالس والتحديات التي تواجهها، واقتراح إجراءات لتطوير أدائها، إضافة إلى دراسة تشكيل مجالس جديدة أو إعادة تنظيم مجالس قائمة أو حلها، مع تقديم مذكرات تبريرية في هذه الحالات.

كما ينص القرار على إنشاء قاعدة بيانات تضم مجالس الأعمال المشتركة وأعضاءها وأنشطتها، وتحديثها بصورة مستمرة.

وفي حزيران/يونيو الماضي، أطلق المجلس السوري لتنسيق مجالس الأعمال ميثاق عمل مجالس الأعمال السورية المشتركة ودليل عمل رؤساء ومؤسسي المجالس، خلال المؤتمر الوطني لحوار القطاع الخاص في دمشق.

وحدد الميثاق أربعة أهداف رئيسية للشبكة، تتمثل في زيادة الصادرات السورية، وجذب الاستثمارات والشراكات الاقتصادية، وفتح فرص أعمال أمام الشركات السورية، ورفع قدرة القطاع الخاص على المنافسة في الأسواق الدولية.

معايير التشكيل ودور القطاع الخاص

رئيس المجلس السوري لتنسيق مجالس الأعمال، رواد رمضان، قال في بيان صحفي إن تشكيل أي مجلس جديد يخضع لمجموعة من المعايير، في مقدمتها وجود مبرر اقتصادي واضح، وتحديد الدولة والقطاعات ذات الأولوية، ووضع تصور لخطة العمل.

ويشترط كذلك وجود رجال أعمال وجهات اقتصادية فاعلة تربطها علاقات تجارية أو استثمارية بالدولة المستهدفة، على أن يكون رئيس المجلس وأعضاء مجلس الإدارة من أصحاب الخبرة العملية في النشاط الاقتصادي المرتبط بها.

وبحسب رمضان، يأتي إنشاء المجلس التنسيقي في إطار محاولة الانتقال من نمط العمل المتفرق إلى نموذج أكثر تنظيماً، بحيث يجري جمع الخبرات والقدرات الموجودة لدى رجال الأعمال السوريين ضمن إطار قادر على تحقيق نتائج أوسع خلال فترة زمنية أقصر.

نشاط اقتصادي متزايد ونتائج متفاوتة

يرى الخبير الاقتصادي عدنان الجاسم، في تصريح لموقع”963+”، أن مجالس الأعمال باتت تسجل أكثر من 20 فعالية اقتصادية سنوياً، بمشاركة تتجاوز 1000 شركة في مختلف أنشطة المجالس.

ويشير إلى المجلس السوري-التركي بوصفه أحد النماذج التي حققت نشاطاً معلناً، إذ تشكل في آب/أغسطس 2025 بالتزامن مع توقيع أكثر من 10 اتفاقيات بين البلدين. كما نظم لاحقاً ملتقى لرجال الأعمال في دمشق بمشاركة أكثر من 25 شركة ومصنعاً تركياً، إلى جانب مشاركته في معرض “حلال إكسبو 2025” في إسطنبول.

وفي الجانب السوري-الصيني، يلفت الجاسم إلى توقيع مذكرة تفاهم لتطوير المدن الصناعية الذكية ونقل الخبرات الصناعية، وإطلاق المركز الدولي للأعمال للمدن الصناعية الذكية في الصين.

أما المجلس السوري-البريطاني، فقد عقد مؤتمره الأول في دمشق خلال تموز/يوليو الماضي، بمشاركة برلمانيين بريطانيين وشركات من المملكة المتحدة، وناقشت جلساته قطاعات الطاقة والقطاع المالي والنقل والبنية التحتية والتعليم والسياحة.

ويضيف الجاسم أن المجلس السوري-الأميركي، الذي أُعيد تشكيله في أيلول/سبتمبر 2026 وفق 10 قطاعات اقتصادية متخصصة، كان له دور في حشد الدعم من أجل رفع العقوبات الأميركية.

لكن هذه المؤشرات لا تعني، وفق الجاسم، تجاوز المشكلات البنيوية التي تواجه المجالس. ويبرز بينها التخوف من التدخل الحكومي المباشر، خصوصاً إذا تحولت الصلاحيات التنظيمية إلى تدخل في عمل مجالس الأعمال، بما قد يؤثر في استقلاليتها ومرونتها.

كما تواجه وزارة الاقتصاد والصناعة تحديات تنظيمية وإدارية مرتبطة بعملية الدمج المؤسساتي، وسط مخاوف من انعكاس ذلك على سرعة اتخاذ القرار وحركة مجالس الأعمال.

الاستثمار الأجنبي يظل الاختبار الأصعب

لا تقتصر العقبات على الجانب الإداري، إذ يرى الجاسم أن البيئة الاستثمارية نفسها لا تزال تشكل تحدياً أمام قدرة مجالس الأعمال على تحويل العلاقات إلى مشاريع.

ويشير إلى استمرار تردد المستثمرين الأجانب في دخول السوق السورية، إضافة إلى أن غياب الفعاليات الاقتصادية السورية عن الأسواق العالمية لنحو ستة عقود أدى إلى تراجع حضور الشركات السورية خارج البلاد، ووصول الأمر إلى منح بعض الشركات العالمية وكالاتها لشركات غير سورية.

ويستحضر الجاسم تجربة سابقة، قائلاً إن عدد مجالس رجال الأعمال في سوريا اقترب من 100 مجلس قبل عام 2023، لكن معظمها لم يحقق فاعلية واضحة على الأرض.

وبالنسبة إليه، فإن إعادة تنشيط هذه المجالس تمثل خطوة إيجابية، لكن نجاحها يتوقف على قدرتها على الانتقال من اللقاءات والاتفاقيات إلى مشاريع مشتركة فعلية، إلى جانب تسهيل دخول المستثمرين ومعالجة العوائق التي تعترض تنفيذ الاستثمارات.

هل تصبح مجالس الأعمال أداة للدبلوماسية الاقتصادية؟

يضع الخبير الاقتصادي عصام الخلف مجالس الأعمال ضمن أدوات الدبلوماسية الاقتصادية التي يمكن لسوريا استخدامها لإعادة بناء حضورها في الأسواق الخارجية.

ويقول لـ”963+” إن السوق السورية تضم فرصاً في قطاعات متعددة، أبرزها التمويل والمصارف، والنفط والغاز والطاقة، والاتصالات والتحول الرقمي وتقنيات السحابة، والطاقة المتجددة والبنية التحتية واللوجستيات، إضافة إلى النقل والإسكان والسياحة.

ويرى الخلف أن العلاقات الرسمية والاتفاقيات الحكومية لا تكفي وحدها لخلق حركة تجارية واستثمارية، إذ تحتاج المشاريع إلى شركات تتواصل مباشرة، ومستوردين يبحثون عن موردين، ومستثمرين قادرين على الوصول إلى شركاء محليين، وهنا يمكن لمجالس الأعمال أن تؤدي دور الوسيط المؤسسي بين هذه الأطراف.

وبحسب هذا التصور، يمكن للمجالس أن تنظم اللقاءات والمنتديات والبعثات التجارية، وتوفر المعلومات المتعلقة بالفرص الاستثمارية، بالتنسيق مع المجلس السوري لتنسيق مجالس الأعمال ووزارة الخارجية والمغتربين، بما يضمن انسجام نشاطها الاقتصادي مع التوجهات العامة للدولة.

ومن هذه الزاوية، يصف الخلف مجالس الأعمال بأنها بمثابة “سفير اقتصادي” وشبكة من الشراكات التي تتيح بناء قنوات اتصال مباشرة بين رجال الأعمال والمؤسسات الاقتصادية والجهات الرسمية في سوريا والدول الأخرى.

ويشدد على أهمية أن تضم هذه المجالس الشركات السورية الكبرى إلى جانب الشركات الدولية، وأن تعمل على استقطاب المؤتمرات والفعاليات الاقتصادية إلى سوريا، وتعزيز الحوار بين القطاع الخاص والجهات الحكومية.

من عدد المجالس إلى حجم الصفقات

يرى الخلف أن معيار نجاح مجالس الأعمال لا ينبغي أن يكون عدد الاجتماعات أو مذكرات التفاهم، بل النتائج التي يمكن قياسها، مثل حجم الصفقات التجارية، والاستثمارات الجديدة، ودخول الشركات السورية إلى أسواق خارجية، وعدد فرص العمل التي تنتج عن المشاريع.

وبحسب المقارنة التي يقدمها، فإن أداء المجالس الحالية متفاوت.

فالمجلس السوري-الكندي، الذي كان أول مجالس الشبكة الحالية وتشكل في نيسان/أبريل 2025، بقي نشاطه المعلن محدوداً. أما المجلس السوري-التركي، الذي تأسس في آب/أغسطس 2025، فسجل توقيع أكثر من 10 اتفاقيات وتنظيم ملتقى أعمال في دمشق بمشاركة 25 شركة تركية، إلى جانب المشاركة في “حلال إكسبو 2025″، رغم وجود تحديات في التنفيذ والجوانب اللوجستية.

وفي المجلس السوري-الصيني، الذي تشكل في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، جرى توقيع مذكرة تفاهم لتطوير المدن الصناعية الذكية وإطلاق المركز الدولي للأعمال.

أما المجلس السوري-البريطاني، الذي تشكل في كانون الأول/ديسمبر 2025، فعقد مؤتمره الأول في دمشق في تموز/يوليو 2026 بمشاركة برلمانيين وشركات بريطانية.

وبالنسبة إلى المجلس السوري-الأميركي، الذي تشكل في حزيران/يونيو 2025 ثم أُعيد تشكيله في أيلول/سبتمبر 2026، فقد ارتبط نشاطه بحشد الدعم لرفع العقوبات، وعقد أول منتدى أعمال في تموز/يوليو 2026، قبل اعتماد هيكل جديد قائم على 10 قطاعات اقتصادية.

أما المجلس السوري-الهولندي، فتشير المقارنة إلى إطلاق المجلس في روتردام، مع خطة لعقد مؤتمر في الربع الثالث من عام 2026، بينما لا تزال البيانات المتاحة حول النشاط الفعلي لبعض المجالس محدودة.

ويشمل ذلك المجلس السوري-الإسباني، الذي لا توجد له أنشطة معلنة وفق المعطيات الواردة، والمجلس السوري-الكويتي الذي تشكل في آذار/مارس 2026، في ظل استمرار محدودية العلاقات الاقتصادية، إضافة إلى المجلس السوري-الأذربيجاني الذي تشكل في أيلول/سبتمبر 2026 على هامش منتدى أذربيجان الدولي للاستثمار، ويحتاج إلى ترجمة عملية لنشاطه.

وفي أيلول/سبتمبر 2026، تشكل كذلك المجلس السوري-الأوزبكي خلال منتدى الأعمال الأوزبكي-السوري، بينما جاء تشكيل المجلس السوري-الباكستاني في تشرين الأول/أكتوبر 2026، ولم يدخل مرحلة التفعيل بعد.

الاختبار في تحويل العلاقات إلى استثمارات

تعكس كثافة تشكيل مجالس الأعمال محاولة لبناء شبكة اقتصادية سورية جديدة تربط القطاع الخاص المحلي بالأسواق والشركات الخارجية، بعد سنوات طويلة من محدودية الحضور السوري في الفعاليات الاقتصادية الدولية.

لكن توسع الشبكة يضع الحكومة والقطاع الخاص أمام اختبار مختلف: هل تستطيع هذه المجالس إنتاج صفقات واستثمارات وفرص عمل، أم ستبقى وظيفتها الأساسية محصورة في تنظيم المؤتمرات وتوقيع مذكرات التفاهم؟

ويرى الخلف أن تشكيل المجالس يمثل خطوة مهمة في إعادة ربط الاقتصاد السوري بالعالم، والانتقال من العلاقات الفردية إلى قنوات اقتصادية أكثر تنظيماً وقابلية للمتابعة.

إلا أن تحقيق هذا الهدف، بحسب رؤيته، يرتبط بوجود بيئة قانونية واضحة، وتقليل المخاطر الأمنية، والحفاظ على مرونة القطاع الخاص بعيداً عن التدخل الحكومي المباشر.

وفي المحصلة، فإن نجاح شبكة مجالس الأعمال السورية لن تحدده أعداد المجالس التي يجري تشكيلها، بقدر ما سيظهر في قدرتها على تحويل اللقاءات والاتفاقيات إلى مشاريع واستثمارات وصفقات فعلية، وفتح أسواق جديدة أمام الشركات والمنتجات السورية.

اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.