الصرافة غير المرخصة في سوريا.. إنذارات بالمئات وأزمة نقدية تتجاوز الحلول الأمنية

وجّه مصرف سوريا المركزي إنذارات إلى 755 محلاً ومنشأة تمارس الصرافة والحوالات المالية دون ترخيص، في حملة تعيد طرح سؤال يتجاوز عدد المخالفات: لماذا تتوسع التعاملات المالية خارج القنوات الرسمية، رغم المخاطر القانونية والرقابية؟ فانتشار هذه الأنشطة لا يرتبط بالمخالفة وحدها، بل يكشف أيضاً عن سوق تعاني ندرة القطع الأجنبي، وضعف جاذبية الخدمات المصرفية، وإجراءات ترخيص قد تدفع صغار العاملين إلى البقاء خارج النظام الرسمي.

وبحسب بيان نشره المصرف عبر قناته على “تلغرام”، شملت الجولات الميدانية 11 محافظة، ورصدت محال تجارية ومكاتب حوالات داخلية تعمل دون التراخيص المطلوبة، إلى جانب مخالفات أخرى. وقال المصرف إن الإجراءات تستهدف حماية المتعاملين، والحد من الاحتيال والتعامل بالعملات المزورة، وضبط حركة الأموال بالتنسيق مع وزارة الداخلية والجهات المعنية.

لكن اتساع نطاق الحملة يسلط الضوء على حدود المعالجة الرقابية في سوق لا تزال فيها القنوات الرسمية عاجزة عن استقطاب جميع المتعاملين، فيما تدفع الاحتياجات اليومية للأفراد والشركات نحو بدائل أسرع، حتى عندما تكون أقل أماناً.

سوق موازية تغذيها أزمة الثقة

يرى أستاذ التمويل والمصارف في جامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد، أن انتشار الصرافة غير المرخصة يرتبط بفجوة هيكلية في سوق الصرف، تتداخل فيها ندرة الدولار وتعقيدات الترخيص وضعف الثقة بالقنوات المصرفية.

ويوضح أن تعدد أسعار الصرف يحد من فاعلية السياسة النقدية، إذ يتجه المتعاملون إلى السوق الموازية عندما لا تلبي القنوات الرسمية احتياجاتهم من العملات الأجنبية. ويضيف أن جزءاً من التحويلات الخارجية، التي يقدّر حجمها بنحو 3.5 إلى 4 مليارات دولار سنوياً، يمر عبر شبكات غير مرخصة، ما يقلص الموارد التي يمكن أن تستفيد منها المصارف في تمويل الاستيراد والاستثمار.

ولا تتوقف المخاطر عند حدود السياسة النقدية؛ فالتعامل خارج الرقابة يضع المتعاملين أمام احتمالات الاحتيال وفقدان الأموال، ويصعّب تتبع التدفقات المالية والتحقق من مصادرها، بما يثير مخاوف تتعلق بغسل الأموال والامتثال للمعايير الدولية.

الإنذارات لا تعالج أسباب المخالفة

بحسب محمد، تجعل متطلبات الترخيص ورأس المال والضمانات دخول القطاع الرسمي مكلفاً لبعض صغار الصرافين، فيما تدفع محدودية توافر الدولار والرسوم المصرفية وتعقيد الإجراءات المواطنين إلى البحث عن بدائل أقل كلفة وأسرع إنجازاً.

ويحذر من أن إغلاق المكاتب غير المرخصة دون توفير بدائل رسمية فعالة قد ينقل النشاط إلى قنوات أكثر سرية، أو يقلص المعروض من العملات الأجنبية في السوق الموازية، بما قد يزيد الضغط على سعر الصرف. كما أن الاقتصار على العقوبات لا يضمن الوصول إلى الشبكات الأكبر، وقد يترك صغار العاملين وحدهم في مواجهة الإجراءات.

إصلاح السوق قبل توسيع الحملات

يقترح محمد تبسيط شروط الترخيص، وتوسيع قاعدة العاملين النظاميين، وإنشاء منصة إلكترونية لتداول العملات تحت إشراف المصرف المركزي، إلى جانب تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية وتطوير أدوات الرقابة الرقمية.

وتبقى فعالية هذه المقترحات مرتبطة بقدرة المصرف على توفير العملات الأجنبية وتقديم خدمات سريعة وتنافسية. فالحملات الميدانية قد ترصد المخالفات وتردع بعضها، لكنها لا تستطيع وحدها إنهاء سوق موازية تغذيها اختلالات اقتصادية مستمرة.

وبينما يلوّح المصرف بالعقوبات، يظل التحدي في جعل القنوات الرسمية خياراً عملياً للمواطن والتاجر، لا مجرد مسار قانوني يصعب الوصول إليه. ومن دون معالجة أسباب اللجوء إلى الصرافة غير المرخصة، قد تتجدد الإنذارات بالأرقام نفسها، فيما تبقى أزمة الثقة والسيولة قائمة.

 

اقرأ ايضاً: الصرافة في سوريا بين العلنية والتحكم الخفي للسوق السوداء

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.