قطاع النسيج السوري أمام ضغط الاستيراد وارتفاع كلف الإنتاج.. هل تتراجع الصناعة المحلية؟

يواجه قطاع النسيج في سوريا ضغوطاً متزايدة تجمع بين ارتفاع تكاليف الإنتاج، والرسوم المفروضة على المواد الأولية، وتوسع استيراد الألبسة الجاهزة، في وقت يحذر صناعيون وخبراء من أن استمرار هذه المعادلة قد يدفع مزيداً من أصحاب المعامل إلى ترك التصنيع والاتجاه نحو الاستيراد.

ويأتي ذلك في قطاع كان لعقود من أبرز مكونات الصناعة السورية ومصدراً لفرص العمل لمئات الآلاف، قبل أن تؤدي سنوات الحرب وتراجع إنتاج القطن وتضرر المنشآت وارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج إلى إضعاف قدرته الإنتاجية والتصديرية.

صناعة واسعة التأثير قبل تراجعها

يمتلك قطاع النسيج السوري امتداداً تاريخياً يعود إلى آلاف السنين، كما يرتبط بعدد كبير من الأنشطة الاقتصادية، من الزراعة والنقل إلى التجارة والتصدير.

وتكمن أهمية القطاع أيضاً في قدرته العالية على توفير فرص العمل، إذ يشمل المصانع والورش الصغيرة والمتوسطة والحرفيين، إلى جانب العمالة المرتبطة بمراحل إنتاج النسيج والملابس.

وتظهر بيانات سابقة حجم الدور الذي كان يؤديه القطاع في الاقتصاد السوري؛ إذ بلغت صادرات المؤسسة العامة للصناعات النسيجية في القطاع العام عام 2010 نحو 194.8 مليون دولار.

لكن السنوات التي أعقبت 2011 شهدت تراجعاً كبيراً في نشاط القطاع، بالتزامن مع انخفاض إنتاج القطن الخام، وتضرر عدد من المنشآت الصناعية، وارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف التشغيل.

وفي عام 2013، أعلنت المؤسسة العامة للصناعات النسيجية أن خسائر قطاع النسيج العام بلغت نحو 135 مليون دولار، في حين لا تتوفر إحصاءات دقيقة ومحدثة عن مساهمة القطاع في الناتج المحلي أو حجم صادراته منذ ذلك الوقت.

الألبسة المستوردة تنافس الإنتاج المحلي

في المرحلة الحالية، يواجه المنتج السوري مشكلة إضافية تتمثل في طبيعة السياسة الجمركية المتبعة تجاه الألبسة الجاهزة والمواد الداخلة في تصنيعها.

ويرى صناعيون أن انخفاض الرسوم على الملابس المستوردة، مقابل استمرار فرض رسوم على بعض المواد الأولية، يضع المعامل المحلية في موقع تنافسي أكثر صعوبة.

وقال الصناعي مهند دعدوش، في حديث إلى عنب بلدي، إن فتح السوق أمام استيراد الألبسة الجاهزة مع انخفاض الرسوم المفروضة عليها يمثل أحد أبرز التحديات أمام الصناعة السورية.

وبحسب دعدوش، فإن فرض رسم قدره أربعة دولارات على كل كيلوغرام من الألبسة المستوردة لا يوفر حماية كافية للمنتج المحلي، مقارنة بفترة سابقة كان فيها استيراد الألبسة الجاهزة ممنوعاً.

ويشير إلى أن صاحب المعمل السوري يتحمل أعباء متعددة لا يتحملها المستورد بالدرجة نفسها، بينها أجور العمال، والطاقة، وصيانة المعدات، ومخاطر الإنتاج، إلى جانب تقلبات الأسعار وسعر الصرف.

مصر ولبنان كنموذجين للمقارنة

ويستشهد دعدوش بالسياسات المتبعة في مصر ولبنان للمقارنة مع الوضع السوري.

فبحسب إفادته، لا تسمح مصر باستيراد الألبسة الجاهزة من خارج الدول العربية، فيما تسمح باستيرادها من بعض الدول العربية وفق شروط وإجراءات ورقية معقدة، إلى جانب فرض رسوم تصل إلى 8.5 دولار لكل كيلوغرام من الملابس المستوردة.

ويرى دعدوش أن هذه السياسة ساعدت في حماية الصناعة المحلية المصرية.

أما في لبنان، فيقول إن الرسوم المفروضة على الألبسة التركية الجاهزة تبلغ 6.5 دولار لكل كيلوغرام، معتبراً أن هذه الإجراءات ساعدت القطاع اللبناني على استعادة جزء من إنتاجه المحلي بعد الأضرار التي لحقت به نتيجة الانفتاح الواسع على الأسواق الخارجية خلال مراحل سابقة.

المواد الأولية ترفع كلفة المنتج السوري

ولا تقتصر الفجوة، وفق دعدوش، على الرسوم المفروضة على الألبسة الجاهزة، إذ تشمل أيضاً مستلزمات الإنتاج نفسها، مثل الأقمشة والأزرار والسحابات وغيرها من المواد المستخدمة في صناعة الملابس.

ويشير إلى أن لبنان يعفي هذه المواد من الرسوم الجمركية، بينما تبلغ الرسوم في مصر نحو نصف دولار لكل كيلوغرام مستورد، مقابل نحو 1.1 دولار لكل كيلوغرام من المواد الأولية النسيجية في سوريا.

ويعتبر أن اختلاف الرسوم ينعكس على تكلفة المنتج النهائي، ويحد من قدرة الصناعة السورية على منافسة المنتجات الأجنبية في السوق المحلية، فضلاً عن قدرتها على الوصول إلى الأسواق الخارجية.

وفي مصر، أظهرت بيانات المجلس التصديري للملابس الجاهزة ارتفاع صادرات الصناعات النسيجية خلال النصف الأول من العام الحالي بنسبة 15%، لتصل إلى نحو 1.78 مليار دولار.

عندما يصبح الاستيراد أقل كلفة من التصنيع

ويقول دعدوش إن الظروف الحالية دفعت بعض أصحاب المعامل السوريين الموجودين في مصر إلى إرسال الألبسة الجاهزة إلى السوق السورية بدلاً من تصنيعها في معاملهم داخل سوريا، رغم امتلاكهم منشآت إنتاجية في البلاد.

ويعزو ذلك إلى ارتفاع تكلفة التصنيع داخل سوريا مقارنة بمصر، الأمر الذي يجعل الاستيراد أو الإنتاج خارج البلاد خياراً أكثر جدوى من الناحية التجارية بالنسبة لبعض المستثمرين.

وبحسب دعدوش، كانت كلفة الإنتاج في سوريا عام 2022 أقل من نظيرتها في مصر بنحو 30%. لكن خلال عامي 2025 و2026 انقلبت المعادلة، لتصبح كلفة الإنتاج في سوريا أعلى بنحو 30% من مصر.

ويربط هذا التغير بتذبذب سعر الصرف وارتفاع الأجور وتكاليف الطاقة والضرائب، إضافة إلى عدم استقرار البيئة الاقتصادية.

أثر الإصلاحات الضريبية يحتاج إلى وقت

وفي مقابل هذه الانتقادات، اتخذت الحكومة السورية خلال الفترة الماضية مجموعة من الإجراءات المتعلقة بالضرائب والتكاليف التي يتحملها الصناعيون، من بينها تخفيضات وإعفاءات مرتبطة بفواتير الكهرباء، إلى جانب التوجه نحو تطبيق نظام ضريبي جديد.

وفي تشرين الأول 2025، أعلن وزير المالية أن الضريبة ستبلغ 10% ضمن النظام الضريبي الجديد، مشيراً إلى تخصيص 25% من حصيلة ضريبة المبيعات، التي ستأتي بديلاً عن ضريبة الإنفاق الاستهلاكي، لدعم الصناعة والتصدير.

لكن دعدوش يلفت إلى أن تقييم أثر هذه الإجراءات لا يزال يحتاج إلى وقت، موضحاً أن التجار والصناعيين يسددون في الوقت الحالي ضرائب تعود إلى عامي 2022 و2023.

ويشرح أن تأخر تسديد الضرائب لعامين أو ثلاثة ليس أمراً استثنائياً، إذ تُقدم الميزانيات عادة خلال الأشهر الأولى من السنة التالية، قبل أن تخضع للمراجعة والتدقيق من الجهات الضريبية، وهو ما يؤخر التسوية النهائية في بعض الحالات.

ويقول دعدوش إن الضرائب التي تُدفع حالياً تعود إلى فترة النظام السابق، الذي وصف أسلوب الاستعلام الضريبي خلاله بأنه كان قائماً على “الترهيب والجباية غير العادلة”.

أما بالنسبة إلى السياسات التي تتبعها الإدارة الحالية، فيرى أن الأسلوب السابق لم يعد حاضراً بالطريقة نفسها، لكن النتائج العملية للإجراءات الجديدة لن تظهر بوضوح، بحسب تقديره، قبل عامي 2027 و2028، بسبب الفارق الزمني بين السنة الضريبية وموعد التسديد الفعلي.

تخفيض الرسوم وحماية المواد الأولية

من جانب آخر، يرى خبراء أن معالجة أزمة قطاع النسيج تبدأ من تخفيض كلفة الإنتاج، ولا سيما الرسوم الجمركية المفروضة على مستلزمات التصنيع.

وقال الخبير في الشؤون الجمركية حسام الدريعي، في حديث إلى عنب بلدي، إن إعفاء المواد الأولية المستخدمة في الصناعات النسيجية من الرسوم الجمركية يجب أن يكون من الخطوات الأولى لدعم القطاع.

وأشار الدريعي إلى وجود قرار صدر قبل نحو عام يقضي بإعفاء الآلات اللازمة لهذه الصناعات من الرسوم، داعياً إلى توسيع نطاق الإعفاء ليشمل المواد الداخلة في عملية الإنتاج.

كما طالب بتخفيض رسوم المرفأ المفروضة على استيراد الخيوط، وخصوصاً القادمة من الصين، مشيراً إلى زيادة تقدر بنحو 60 يورو على كل حاوية، سواء كانت بسعة 20 قدماً أو 40 قدماً.

ويرى الدريعي أن خفض هذه التكاليف يمكن أن يعزز قدرة المنتج السوري على المنافسة، في ظل انتشار المنتجات المصرية والصينية في عدد كبير من الأسواق العالمية.

ويتفق دعدوش مع ضرورة خفض رسوم المواد الأولية أو إلغائها، لكنه يرى في الوقت نفسه ضرورة رفع الرسوم على الألبسة الجاهزة المستوردة، بهدف الحد من المنافسة التي يعتبرها غير متكافئة مع المنتج المحلي.

خروج معامل وتحول نحو التجارة

وتشير هذه الضغوط المتراكمة إلى خروج عدد من معامل النسيج من السوق السورية خلال السنوات الماضية، فيما اتجه بعض أصحابها إلى الاستيراد بدلاً من مواصلة التصنيع.

ويحتاج تشغيل مصنع نسيج أو ملابس إلى رأس مال واستثمارات مستمرة، إضافة إلى العمالة والطاقة والصيانة وتحمل مخاطر الإنتاج وتقلبات السوق. في المقابل، يتيح استيراد الملابس الجاهزة دورة تجارية أسرع وأقل تعقيداً، خصوصاً في ظل ضعف الحماية التي يراها صناعيون متاحة للمنتج المحلي.

ويحذر دعدوش من أن استمرار هذه الظروف قد يدفع مزيداً من الصناعيين إلى التحول من الإنتاج إلى الاستيراد، ما يعني خسارة جزء من الطاقة التصنيعية وفرص العمل المرتبطة بها، بدلاً من الحفاظ على معامل قادرة على تشغيل العمالة وإنتاج الملابس للتصدير.

تحرك حكومي بانتظار إجراءات ملموسة

ورغم التحديات التي يواجهها القطاع، ظهرت خلال الفترة الأخيرة مؤشرات على اهتمام حكومي بإعادة تنشيط صناعة النسيج، كان من بينها معرض “ناس تكس” الذي أقيم في مدينة المعارض بدمشق.

وخلال المعرض، قال وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار إن الحكومة تعمل على دعم وتطوير قطاع النسيج بالشراكة مع القطاع الخاص.

ودعا الشعار ممثلي القطاع إلى تقديم رؤية موحدة وهيكلية واضحة لمراحل صناعة النسيج وسبل تطويرها، مع التأكيد على أهمية الاستعداد للتحولات التي تشهدها صناعة النسيج عالمياً.

وبين ارتفاع تكاليف التصنيع، والرسوم على المواد الأولية، وتوسع استيراد الألبسة الجاهزة، تبدو قدرة قطاع النسيج السوري على استعادة دوره مرتبطة بمدى قدرة السياسات الاقتصادية والجمركية الجديدة على تحقيق توازن بين الانفتاح على الاستيراد والحفاظ على القدرة الإنتاجية المحلية.

اقرأ أيضاً:بعد انتهاء مهلة استبدال الليرة.. هل تدخل سوريا اختبار السيولة والثقة بالعملة؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.