العلاقات السورية السعودية: هل تقترب دمشق والرياض من مراجعة هادئة أم “قطيعة ناعمة”؟

تشهد الخارطة السياسية والاقتصادية في المنطقة العربية تحولات متسارعة، حيث تتداخل المصالح الاستراتيجية برسم ملامح المرحلة المقبلة. ولا تشكل العلاقات السورية السعودية استثناءً من هذه القاعدة؛ إذ تحمل في طياتها أبعاداً معقدة ترتبط بملفات الاستثمار وإعادة الإعمار في سوريا.

ومع غياب السفير السعودي عن دمشق مؤخراً، وتجميد مشاريع اقتصادية كبرى، يبرز التساؤل: هل تمر العلاقات بمرحلة مراجعة وهادئة، أم أنها تتجه نحو قطيعة ناعمة؟

في قراءة معمقة لـ Syria One، يوضح الباحث والأكاديمي فراس شعبو أن ما يجري حالياً ليس أزمة أو انهياراً، بل إعادة تقييم للمرحلة القادمة، في وقت تحتاج فيه دمشق إلى رؤوس أموال ضخمة لتجاوز أزمتها الاقتصادية.

دلالات غياب السفير السعودي والرسائل الإعلامية لـ الرياض

يرى الباحث فراس شعبو أن عدم تعيين سفير سعودي جديد في دمشق لا يعكس تراجعاً دراماتيكياً في العلاقات، بل يترجم مرحلة “إعادة تقييم” للوضع السوري الجديد، بناءً على المعطيات التالية:

  • استراتيجيات طويلة الأجل: العلاقات الدولية لا تقاس فقط بفتح السفارات، بل بالانتقال إلى شراكات مستدامة.

  • رسائل ناعمة: الرياض حريصة على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، لكنها توظف بعض الملاحظات السياسية كرسائل ناعمة لدفع القيادة السورية نحو أولويات محددة.

  • الخطاب الإعلامي السعودي: النقد الأخير لشخصيات حكومية سورية في وسائل إعلام سعودية يمثل أداة ضغط وإيصال رسائل سياسية، تعكس اختلاف الرؤى حول المرحلة المقبلة.

لماذا تأخرت صفقات إعادة الإعمار والاستثمارات السعودية في سوريا؟

أرجع شعبو تأخر المشاريع والاتفاقيات التي كانت جاهزة للتنفيذ بين شركات سعودية وسورية إلى أسباب هيكلية وإقليمية، أبرزها:

  1. ضعف البيئة الاستثمارية: غياب قوانين واضحة تحمي الملكية في سوريا.

  2. العقبات المالية: صعوبة التحويلات النقدية وغياب نظام مصرفي فاعل وقوانين تشريعية مستقرة.

  3. تبدل أولويات الخليج: فرضت الأزمات الإقليمية (مثل التوترات بين إيران وأمريكا وأمن المضائق البحرية) على السعودية إعادة توجيه رساميلها نحو الاستثمارات الداخلية.

تأثير غياب التمويل الخليجي: غياب الاستثمارات الخليجية يبطئ نمو الاقتصاد السوري ويؤخر التعافي، لكنه لا يعني الانهيار الكامل؛ إذ يشكل التمويل الخليجي أقل من 1% من احتياجات سوريا الفعلية لإعادة الإعمار والمقدرة بنحو 300 مليار دولار.

التضخم وأزمة الأسعار في سوريا: خلل هيكلي داخلي

في تحليله للوضع المعيشي، يؤكد شعبو أن أزمة التضخم في سوريا ناتجة بالأساس عن اختلالات هيكلية داخلية، وليس بسبب غياب الدعم الخارجي فقط. وتتمثل هذه الأسباب في:

  • الارتفاع الحاد في تكاليف الإنتاج، الطاقة، والنقل.

  • ضعف الإنتاج المحلي والاعتماد المفرط على الاستيراد (التضخم المستورد).

  • تراجع الثقة بالليرة السورية والاعتماد على الدولار، في ظل سعر صرف ممسوك بشكل مصطنع لا يعكس الواقع الاقتصادي.

الخلاصة: إعادة تموضع لا قطيعة

يخلص التحليل إلى أن العلاقات السورية السعودية تمر بمرحلة إعادة تموضع ومراجعة. تنظر الرياض إلى دمشق من زاوية الحسابات السياسية، المصالح، والاستقرار، ومن حقها مراجعة أوراقها في ظل انفتاح سوريا على تركيا والإمارات.

في المقابل، تدرك القيادة السورية ثقل الدور السعودي؛ حيث كانت زيارة الرئيس السوري إلى الرياض مؤشراً على رغبة دمشق في أن تكون المملكة هي “الغطاء المالي والحامي” لمرحلة التعافي الاقتصادي، التي تتطلب تدفق رؤوس أموال عملاقة في قطاعات البنية التحتية والطاقة.

إقرأ أيضاً: الخريطة الدبلوماسية في سوريا: من عاد إلى دمشق ومن ينتظر؟

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.