الشبكة السورية: 69 شهيداً برصاص القوات الإسرائيلية في جنوب سوريا
قالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إنها وثقت استشهاد ما لا يقل عن 69 شخصاً على يد القوات الإسرائيلية في جنوب سورية، خلال الفترة الممتدة من سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 وحتى 5 أكتوبر/تشرين الأول 2026، مشيرة إلى أن هذه الحصيلة تأتي في سياق أوسع من التوغلات والاحتجازات ومداهمة المنازل وإقامة الحواجز وتقييد حركة السكان في المنطقة.
وقال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، إن العدد الموثق يمثل الحصيلة المحدثة للقتلى على يد القوات الإسرائيلية منذ سقوط النظام السابق، لكنه شدد على ضرورة قراءة الرقم ضمن مجمل التطورات الميدانية التي شهدها الجنوب السوري خلال هذه الفترة.
وأوضح عبد الغني أن الانتهاكات التي وثقتها الشبكة لم تقتصر على حالات القتل، بل شملت توغلات برية متكررة، واحتجاز أشخاص، ومداهمة وتفتيش منازل، وإقامة حواجز، وفرض قيود على حركة السكان، وهدم ممتلكات مدنية، إضافة إلى استخدام القوة في حوادث أسفرت عن مقتل وإصابة مدنيين.
التوغلات الإسرائيلية تصاعدت خلال 2025
وبحسب عبد الغني، فإن بيانات الشبكة تشير إلى زيادة واضحة في عدد التوغلات الإسرائيلية واتساع نطاقها الجغرافي خلال عام 2025، ولا سيما في النصف الثاني منه.
ووثقت الشبكة، خلال الفترة بين 9 يونيو/حزيران و5 يوليو/تموز 2025، ما لا يقل عن 22 توغلاً برياً في محافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق. ورافقت هذه العمليات، وفق الشبكة، حالة قتل لمدني واحتجاز نحو 13 مدنياً، إلى جانب الاعتداء على منازل وممتلكات ومنشآت مدنية.
لكن مدير الشبكة يميز بين تطور النشاط العسكري الإسرائيلي وبين أعداد القتلى، محذراً من استخلاص نتيجة تفيد بوجود ارتفاع مستمر في معدل القتل شهراً بعد شهر اعتماداً على الحصيلة التراكمية وحدها.
وأشار إلى أن تقرير الشبكة عن النصف الأول من عام 2026 وثق مقتل مدني واحد على يد القوات الإسرائيلية خلال تلك الفترة، معتبراً أن الأدق هو الحديث عن استمرار وترسخ نمط التوغلات والاحتجاز والتدخل المباشر في حياة السكان، بدلاً من وصف القتل بأنه يتخذ منحى تصاعدياً متواصلاً.
وفي أحدث حصيلة يومية نشرتها الشبكة، والخاصة بيوم الاثنين 5 أكتوبر/تشرين الأول، وثقت مقتل ثلاثة مدنيين في سورية، بينهم طفل، كان أحدهم مدنياً قتلته القوات الإسرائيلية في محافظة القنيطرة.
ودعت الشبكة إلى تعزيز آليات التحقيق والمحاسبة، والعمل على حماية المدنيين ومنع تكرار الانتهاكات.
ماذا يقول القانون الدولي عن استخدام القوة؟
يرى عبد الغني أن التوصيف القانوني للعمليات الإسرائيلية في الجنوب السوري يتطلب التمييز بين عدة مسائل، تشمل مدى مشروعية استخدام القوة داخل الأراضي السورية، والقواعد التي تنظم سلوك القوات تجاه المدنيين، إضافة إلى مسؤولية “الدولة الإسرائيلية” والمسؤولية الجنائية الفردية المحتملة عن الجرائم الدولية.
وأشار إلى أن المادة 2/4 من ميثاق الأمم المتحدة تحظر استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي للدول، موضحاً أن الاستناد إلى اعتبارات أمنية عامة لا يكفي، بحد ذاته، لتجاوز هذا الحظر.
وفي حال استندت إسرائيل إلى حق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة 51 من الميثاق، فإن هذا الادعاء، بحسب عبد الغني، يخضع لشروط قانونية، من بينها وجود هجوم مسلح وتوافر الضرورة والتناسب. كما تنص المادة نفسها على إبلاغ مجلس الأمن فوراً بالتدابير المتخذة في إطار الدفاع عن النفس.
وأوضح أن عدم تقديم الإخطار لا يحسم بمفرده مدى مشروعية العمل العسكري، لكنه يبقى عاملاً قانونياً يمكن أخذه في الاعتبار عند تقييم هذا الادعاء.
اتفاق فض الاشتباك في الجنوب السوري
وتطرق عبد الغني إلى اتفاق فض الاشتباك السوري الإسرائيلي لعام 1974، موضحاً أنه أنشأ منطقة فصل يفترض أن تكون خالية من القوات العسكرية، باستثناء قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك “أندوف”، مع بقاء المنطقة تحت الإدارة المدنية السورية.
وبناء على ذلك، فإن وجود قوات إسرائيلية أو تنفيذ عمليات عسكرية داخل منطقة الفصل يثير، وفق عبد الغني، مسألة مستقلة تتعلق بمدى الالتزام بالنظام القانوني الذي أنشأه الاتفاق.
ومنذ سقوط نظام الأسد، وثقت الشبكة توسعاً في التحركات العسكرية الإسرائيلية داخل الجنوب السوري، شمل توغلات في المنطقة العازلة ومناطق خارجها، إضافة إلى إنشاء مواقع وقواعد عسكرية تُستخدم كنقاط انطلاق للدوريات والتحركات داخل محافظة القنيطرة ومناطق أخرى من الجنوب.
متى يتحول التوغل إلى احتلال؟
وفي ما يتعلق بتوصيف الوجود العسكري الإسرائيلي وفق القانون الدولي الإنساني، يحذر عبد الغني من اعتبار أي توغل قصير الأمد احتلالاً بصورة تلقائية.
ويستند معيار الاحتلال، وفق المادة 42 من لائحة لاهاي، إلى خضوع إقليم فعلياً لسلطة الجيش المعادي وقدرة هذه السلطة على ممارسة السيطرة عليه. ولا يشترط القانون إعلان الاحتلال رسمياً أو مرور مدة زمنية محددة، لكن وجود السيطرة الفعلية يبقى عنصراً أساسياً في تحديد الوضع القانوني.
وبالتالي، فإن دخول دورية عسكرية إلى منطقة ما أو مرورها فيها بصورة مؤقتة لا يكفي وحده، بحسب عبد الغني، لإثبات قيام حالة احتلال.
وفي الحالات التي تتوافر فيها شروط الاحتلال، تصبح أحكام اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بالأراضي المحتلة واجبة الصلة، بما في ذلك القواعد الخاصة باعتقال الأشخاص المحميين أو وضعهم تحت الإقامة الجبرية، وضمان حقوق المحتجزين، وحظر تدمير الممتلكات إلا في الحالات التي تفرض فيها العمليات العسكرية ذلك بصورة مطلقة.
وأشار عبد الغني إلى أن الشبكة سبق أن اعتبرت أن نقل شخص من أرض محتلة إلى إقليم دولة الاحتلال يمكن أن يصل إلى عتبة جريمة حرب.
كما أكد استمرار انطباق قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان بحسب نطاق الولاية والسيطرة، ولا سيما على الأشخاص الموجودين في قبضة القوات الإسرائيلية أو الخاضعين لسلطتها، بما يشمل الحق في الحياة والحرية والأمن الشخصي، وحظر الاحتجاز التعسفي، وضمان مراجعة مشروعية الاحتجاز.
مسؤولية الدولة والمسؤولية الفردية
ويفرق مدير الشبكة بين المسؤولية القانونية التي قد تترتب على إسرائيل كدولة، وبين المسؤولية الجنائية الفردية التي قد تقع على جنود أو قادة إذا توافرت شروطها.
وأوضح أن تصرفات القوات المسلحة تُنسب، من حيث الأصل، إلى الدولة، وأن خرق التزام دولي قد يرتب على الدولة المعنية التزامات، من بينها وقف الفعل غير المشروع المستمر وتقديم ضمانات مناسبة لعدم تكراره عندما تستدعي الظروف ذلك، إلى جانب جبر الضرر بصورة كاملة.
وقد يأخذ جبر الضرر، بحسب طبيعة الحالة، أشكالاً تشمل الرد أو التعويض أو الترضية.
وطالب عبد الغني إسرائيل بوقف استخدام القوة والتوغلات التي لا تستند إلى أساس قانوني مشروع، واحترام اتفاق فض الاشتباك، ووقف الاحتجاز التعسفي، والكشف عن أسماء المحتجزين وأماكن وجودهم والأساس القانوني لاحتجازهم.
كما دعا إلى تمكين المحتجزين من التواصل مع عائلاتهم ومحاميهم، والسماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بالوصول إليهم وفق القواعد المنطبقة، إلى جانب إجراء تحقيقات مستقلة وفعالة في حالات القتل والإصابة وتدمير الممتلكات، وضمان جبر أضرار الضحايا.
مطالب إلى مجلس الأمن و”أندوف”
ووجه مدير الشبكة مطالب أيضاً إلى مجلس الأمن، داعياً إياه إلى استخدام صلاحياته لحماية نظام فض الاشتباك والمطالبة باحترام منطقة الفصل، إضافة إلى تمكين قوة “أندوف” من حرية الحركة والوصول الضروريين لأداء مهامها في المراقبة والإبلاغ.
وأوضح أن القوة الأممية لا تؤدي دور جهة للملاحقة الجنائية، لكن تقاريرها وعمليات الرصد الميداني التي تنفذها تظل، وفق قوله، مهمة في منع التصعيد وتوثيق الوقائع.
سجل من التوغلات والهجمات بعد سقوط الأسد
وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان قد وثقت منذ سقوط نظام الأسد سلسلة من الهجمات والتوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية.
وأشار تقريرها السنوي لعام 2024 إلى أن القوات الإسرائيلية نفذت، عقب سقوط النظام السابق، حملة جوية واسعة استهدفت مواقع عسكرية في مناطق مختلفة من سورية، بالتزامن مع توغلها وسيطرتها على المنطقة العازلة وأجزاء أخرى من الجنوب.
وفي أبريل/نيسان 2025، قالت الشبكة إنها وثقت مقتل تسعة مدنيين من أبناء مدينة نوى في ريف درعا الغربي وإصابة 15 آخرين، خلال تصعيد عسكري إسرائيلي شمل غارات وعمليات برية في عدة محافظات سورية.
وفي يونيو/حزيران من العام نفسه، وثقت الشبكة عمليات توغل في القنيطرة ودرعا، تضمنت دخول قوات إسرائيلية إلى أحياء سكنية ومداهمة منازل وتفتيشها، بينها عمليات في بلدة جباتا الخشب بريف القنيطرة الشمالي.
وأعقبت ذلك، بحسب الشبكة، 22 عملية توغل خلال فترة تقل عن شهر في القنيطرة ودرعا وريف دمشق، في وقت استمر فيه النشاط العسكري الإسرائيلي في الجنوب بالتزامن مع عمليات احتجاز وقيود على حركة السكان.
إطلاق نار وتفتيش منازل.. توغل جديد للقوات الإسرائيلية جنوب سوريا