الاستثمارات الأجنبية في سوريا.. هل تعيد الحكومة الانتقالية تشكيل السوق على حساب القطاع الخاص؟

قبل نحو عام ونصف، حذّر بيان نُسب إلى مجموعة من رجال الأعمال السوريين من استبعاد ما وصفه بـ«رموز الاقتصاد السوري» من المشاريع التي تمنحها الحكومة الانتقالية لشركات وشخصيات، وسط تساؤلات حول جدية بعض الجهات المتعاقد معها وقدرتها المالية.

وانتقد البيان آنذاك ما سمّاه «آليات الاختيار المشبوهة ونظام المناقصات المتّبع»، معتبرًا أنها لا تتوافق مع معايير النزاهة والشفافية.

ومع توسع دائرة مذكرات التفاهم والعقود والاتفاقيات التي وقعتها الوزارات والمؤسسات السورية مع شركات ومؤسسات عربية وأجنبية، برزت انتقادات أوسع تتعلق بمشاركة القطاع الخاص السوري في المشاريع الحكومية، ولا سيما الشركات التي واصلت نشاطها داخل البلاد خلال سنوات حكم النظام السابق.

ويرى منتقدون أن هذه السياسة قد تؤدي إلى إعادة تشكيل السوق السورية من خلال منح الشركات الأجنبية حصة واسعة من مشاريع الطاقة والنقل والاتصالات والصناعة والخدمات والبنية التحتية، مقابل حضور محدود للشركات المحلية.

في المقابل، يطرح المدافعون عن التوجه الاستثماري للحكومة الانتقالية مبررات تتعلق بالحاجة إلى جذب رؤوس الأموال والخبرات الأجنبية، وتنفيذ مشاريع ضخمة تتجاوز إمكانات بعض المستثمرين المحليين، إلى جانب إدخال تقنيات وخبرات جديدة إلى الاقتصاد السوري.

نحو 129 مذكرة تفاهم وعقد واتفاقية

بين منتصف كانون الثاني 2025 ونهاية آب 2026، وقّعت وزارات ومؤسسات سورية نحو 129 مذكرة تفاهم وعقدًا واتفاقية تعاون في قطاعات متعددة، وفق مراجعة لما يقارب 94 مناسبة شهدت توقيع وثائق أو الإعلان عن اتفاقيات جديدة.

وشملت الاتفاقيات قطاعات حيوية، من بينها الطاقة والنفط والنقل والمياه والاتصالات والصحة والزراعة والصناعة والسياحة والخدمات اللوجستية.

وتصدرت السعودية وتركيا وقطر والإمارات وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة والصين وغيرها قائمة الدول التي ارتبطت شركاتها أو مؤسساتها بهذه الاتفاقيات.

ويلاحظ في عدد من هذه التعاقدات اعتماد الاتفاق المباشر أو التفاهم بين الأطراف، بدلًا من طرح مشاريع واسعة أمام منافسة مفتوحة بين الشركات، وهو ما أثار تساؤلات حول آليات اختيار الجهات المنفذة ومدى تحقيقها لأفضل الشروط الاقتصادية والفنية.

غياب الشركات السورية عن المشاريع الكبرى

من أبرز الملاحظات التي تطرحها أوساط اقتصادية وتجارية، محدودية حضور الشركات والمؤسسات السورية في عدد من المشاريع التي تنفذها الحكومة، رغم أن بعضها يقع ضمن مجالات تمتلك فيها شركات محلية خبرات سابقة.

وتشمل هذه المشاريع الأتمتة والتحول الرقمي، وترميم المنشآت الصحية واستثمارها، وتجهيزات قطاعي المياه والطاقة، إلى جانب مشاريع أخرى مرتبطة بتحديث المؤسسات العامة.

وتعتقد أوساط في القطاع الخاص أن هذا الواقع يعكس توجهًا نحو الاعتماد على شركات عربية وأجنبية في مشاريع تطوير المؤسسات الحكومية، بدلًا من إشراك الشركات السورية التي واصلت عملها خلال سنوات الحرب.

ويظهر هذا الاستبعاد، بحسب هذه الأوساط، على مستويين؛ الأول يتمثل في عدم إشراك الشركات المحلية مباشرة في المشاريع الحكومية الكبرى، والثاني في العقود الثانوية التي تبرمها الشركات الأجنبية مع جهات أخرى لتنفيذ أجزاء من المشاريع التي حصلت عليها.

وتكمن الإشكالية، وفق هذا الطرح، في احتمال زيادة التكلفة نتيجة تعدد حلقات التعاقد، بدلًا من الاستفادة بصورة مباشرة من رأس المال والخبرات الموجودة داخل السوق السورية.

الاستثمارات الأجنبية بين التمويل ونقل الخبرات

تستند الحكومة الانتقالية في تبرير توجهها نحو المستثمرين والشركات الأجنبية إلى الحاجة لتمويل مشاريع كبيرة واستقطاب الخبرات والتكنولوجيا.

ويبرز ضمن ذلك مشروع تطوير مطار دمشق الدولي، إضافة إلى مشاريع في قطاعات الطاقة والعقارات والبنية التحتية والخدمات.

ويرى مؤيدو هذه السياسة أن الاقتصاد السوري يحتاج إلى استثمارات خارجية كبيرة، خصوصًا بعد سنوات طويلة من الحرب وتراجع البنية التحتية والاستثمار المحلي، وأن الشركات الدولية قادرة على توفير تمويل وتقنيات وخبرات يصعب توفيرها محليًا بالسرعة المطلوبة.

لكن منتقدين يرون أن نقل التكنولوجيا وتطوير الشركات المحلية يمكن أن يتحققا من خلال شراكات مباشرة بين الشركات السورية ونظيراتها الأجنبية، بما يسمح للقطاع الخاص المحلي بالمشاركة في تنفيذ المشاريع والاستفادة من الخبرات الجديدة.

القطاع الخاص السوري أمام تحديات جديدة

تطرح هذه التطورات تساؤلات حول موقع القطاع الخاص السوري في مرحلة إعادة الإعمار وإعادة تنظيم الاقتصاد.

ففي الوقت الذي تحتاج فيه سوريا إلى استثمارات كبيرة لإعادة بناء قطاعاتها الإنتاجية والخدمية، تواجه الشركات المحلية تحديًا يتمثل في قدرتها على الوصول إلى المشاريع الحكومية الكبرى والمشاركة في تنفيذها.

ويطالب رجال أعمال وصناعيون بمنح الشركات السورية فرصة أكبر للدخول في المشاريع الحكومية، وتوسيع قدراتها، وبناء شراكات مع المستثمرين الأجانب، بدلًا من اقتصار دورها على المناقصات والمشتريات محدودة الحجم.

ويعتبر أصحاب هذا الطرح أن إشراك القطاع الخاص المحلي يمكن أن يساعد في إبقاء جزء أكبر من الإنفاق الاستثماري داخل الاقتصاد السوري، وتعزيز فرص العمل، وتطوير الخبرات المحلية.

المناقصات الحكومية.. حضور محدود في القطاعات الاستثمارية

تظهر مراجعة لإعلانات «الهيئة العامة للإمداد والتوريد» وجود عشرات طلبات عروض الأسعار والمناقصات الحكومية خلال الفترة الممتدة بين شباط وآب 2026.

وبلغ عدد الإعلانات التي جرى رصدها نحو 44 طلب عرض أسعار أو مناقصة، تركز معظمها على قطع التبديل والتجهيزات والمستلزمات التشغيلية للوزارات والمؤسسات الحكومية.

وسجلت وزارة الصحة نحو 11 إعلان مناقصة وطلب عروض، بينما بلغ عدد الإعلانات المرتبطة بوزارة التعليم العالي نحو تسعة.

أما وزارة الطاقة، التي تشمل قطاعات النفط والغاز والكهرباء والمياه، فكان عدد الإعلانات المنشورة خلال الفترة نفسها محدودًا، واقتصرت في جزء منها على تأمين مستلزمات وتجهيزات تشغيلية، مثل القساطل والمحوّلات الكهربائية المستخدمة في بعض مواقع الضخ ومراكز التحويل.

وتعيد هذه المعطيات طرح سؤال حول آليات توزيع الفرص الاستثمارية الكبرى، ومدى قدرة الشركات السورية على المنافسة والدخول في المشاريع التي ترتبط بالقطاعات الاقتصادية الأكثر أهمية.

عقود الطاقة والنفط في صدارة الاهتمام

يعد قطاع الطاقة أحد أبرز المجالات التي شهدت دخول شركات ومستثمرين من خارج سوريا، مع ارتباط ذلك بأهمية النفط والغاز والكهرباء والمياه في الاقتصاد السوري.

وتثير هذه التعاقدات نقاشًا حول النموذج الذي ستعتمده سوريا في إدارة مواردها الطبيعية ومشاريع البنية التحتية، وحول الدور الذي يمكن أن تلعبه الشركات المحلية إلى جانب المستثمرين الأجانب.

وفي بعض الحالات، ظهرت شركات محلية حديثة تعمل ضمن مشاريع مرتبطة بجهات استثمارية خارجية، ما فتح نقاشًا آخر حول طبيعة هذه الشركات ودورها في سلسلة التوريد والتنفيذ، ومدى استفادة السوق السورية من رأس المال المحلي والخبرات المتراكمة.

إعادة تشكيل السوق السورية

في المحصلة، تضع الاستثمارات والعقود الجديدة الاقتصاد السوري أمام مرحلة مختلفة من إعادة تنظيم السوق وتوزيع الفرص بين الشركات المحلية والأجنبية.

ويرى منتقدون أن منح الشركات الخارجية حصة واسعة من مشاريع تحديث المؤسسات العامة والبنية التحتية قد يؤدي إلى تراجع دور القطاع الخاص السوري، خصوصًا إذا لم تترافق هذه العقود مع آليات واضحة لإشراك الشركات المحلية ونقل الخبرات والتكنولوجيا إليها.

في المقابل، ترى الحكومة ومؤيدو توجهاتها الاستثمارية أن جذب الشركات الأجنبية يمثل ضرورة في ظل حجم الاحتياجات التمويلية والفنية التي تواجه سوريا، وأن دخول رؤوس الأموال والخبرات الخارجية يمكن أن يشكل عنصرًا أساسيًا في عملية إعادة الإعمار.

ويبقى التحدي الأساسي في إيجاد صيغة توازن بين جذب الاستثمار الأجنبي والحفاظ على دور القطاع الخاص السوري، عبر قواعد واضحة للمناقصات والتعاقدات، وتعزيز المنافسة والشفافية، وإتاحة المجال أمام الشركات المحلية للدخول في المشاريع الكبرى، سواء بصورة مباشرة أو من خلال شراكات حقيقية مع المستثمرين الأجانب.

إقرأ أيضاً: «دمشق الجديدة».. مشروع إماراتي بـ7 مليارات دولار يختبر قدرة سوريا على جذب الاستثمار

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.