مرضى السرطان في سوريا بين عناء العلاج وتكاليف السفر والإقامة في دمشق

في أروقة مشفى البيروني الجامعي بدمشق، لا تقتصر معاناة مرضى السرطان على مواجهة المرض والعلاج، إذ يواجه القادمون من المحافظات السورية أعباء إضافية تتعلق بتكاليف السفر والإقامة والفحوصات الطبية، في ظل تركز بعض الخدمات العلاجية المتخصصة في العاصمة.

ويقطع مرضى السرطان مئات الكيلومترات بشكل دوري للوصول إلى مراكز العلاج، بينما يضطر بعضهم إلى البحث عن أماكن إقامة منخفضة التكلفة، أو حتى قضاء الليل في محيط المشافي، بسبب عدم قدرتهم على تحمل أسعار الفنادق.

مرضى السرطان ينامون على أرصفة دمشق

حسام العبد، رجل خمسيني من محافظة حماة مصاب بسرطان الرئة، يقطع مئات الكيلومترات كل شهر لتلقي جلسات العلاج الإشعاعي في دمشق.

وبعد يوم طويل من العلاج، وجد حسام نفسه مضطراً إلى قضاء الليل على الرصيف الخارجي للمشفى، لعدم قدرته على دفع تكلفة غرفة فندقية، وعدم وجود أقارب أو أصدقاء يمكنه الإقامة لديهم.

ولا تبدو هذه الحالة فردية، إذ تتكرر معاناة المرضى القادمين من المحافظات البعيدة إلى مراكز علاج الأورام في دمشق، حيث يواجهون في الوقت نفسه المرض وتكاليف العلاج والسفر والإقامة.

تكاليف السفر والفحوصات ترهق مرضى السرطان

مروان الحلبي، شاب في العقد الثالث من عمره، يسافر من دير الزور إلى دمشق لتلقي العلاج الكيميائي برفقة والده المسن.

ويقول إن الرحلة تتكرر مرة أو مرتين شهرياً، فيما تستهلك تكاليف النقل جزءاً كبيراً من مدخرات الأسرة، بينما تضيف الإقامة في دمشق عبئاً جديداً بسبب ارتفاع أسعار الفنادق.

ولا تتوقف النفقات عند النقل والإقامة، إذ يحتاج مرضى السرطان إلى إجراء تحاليل وفحوصات دورية قبل جلسات العلاج، وقد تصل تكلفة بعض الفحوصات المتقدمة، مثل التصوير بالرنين المغناطيسي والطبقي المحوري، إلى مئات الدولارات.

وتزداد التكاليف عندما تستدعي حالة المريض استخدام سيارة خاصة، خصوصاً للمرضى الذين يعانون من ضعف شديد أو يحتاجون إلى ظروف نقل أكثر راحة.

فواتير العلاج تستنزف مدخرات الأسر

تواجه حنين السيد، التي بدأت رحلة علاجها في أحد المشافي الخاصة بدمشق، أعباء مالية متزايدة بسبب الفحوصات والتحاليل الطبية التي ترافق مراحل العلاج.

وتقول إن تكاليف التحاليل وحدها قد تصل إلى نحو 200 دولار، إضافة إلى مئات الدولارات التي قد تتطلبها فحوصات مثل الرنين المغناطيسي والتصوير الطبقي المحوري.

وتضطر حنين وعائلتها إلى السفر من مدينة عزاز بريف حلب إلى دمشق، في رحلة تستغرق نحو ست إلى سبع ساعات، فيما دفعتها حالتها الصحية بعد خضوعها لعملية جراحية صعبة إلى استخدام سيارة خاصة.

وتطرح هذه المعاناة تساؤلات حول أوضاع المرضى الذين لا يملكون القدرة المالية على تحمل تكاليف العلاج والنقل والإقامة، خصوصاً في ظل محدودية شبكات الدعم الاجتماعي.

وتطالب حنين بتوفير مراكز إيواء وخدمات علاجية مدعومة بالقرب من مراكز الأورام المتخصصة، بما يساعد المرضى القادمين من المحافظات على تجاوز تكاليف الإقامة والتنقل.

طفل من إدلب يقطع 400 كيلومتر للحصول على العلاج الإشعاعي

في منطقة جبل الزاوية بريف إدلب، لاحظ والد الطفل محمد الشاهين وجود كتلة صلبة في رقبة ابنه، لينقله إلى مشفى إدلب المركزي لإجراء الفحوصات.

وأظهرت النتائج إصابة الطفل بورم لمفاوي يحتاج إلى علاج مكثف، لكن العائلة اصطدمت بمشكلة عدم توفر العلاج الإشعاعي في محافظة إدلب، ما اضطرها إلى السفر إلى دمشق.

وتُعد وحدة الأورام في مشفى البيروني الجامعي، التي تديرها جمعية «بسمة»، إحدى الجهات التي توفر العلاج المتخصص للأطفال المصابين بالسرطان.

يقول والد محمد إنه علم من الأطباء في إدلب أن جمعية «بسمة» تقدم العلاج مجاناً للأطفال المصابين بالسرطان، لذلك أصبحت دمشق وجهتهم الأساسية، في ظل ارتفاع تكلفة العلاج في القطاع الخاص.

وقطعت العائلة مسافة تقارب 400 كيلومتر من إدلب إلى دمشق، في رحلة تستغرق نحو ست ساعات بالسيارة في الظروف العادية.

وبسبب طبيعة العلاج الإشعاعي والحاجة إلى جلسات منتظمة، تضطر العائلة إلى تكرار الرحلة بشكل دوري، فيما تتراوح تكلفة النقل بسيارة خاصة بين 150 و200 دولار للذهاب والإياب، وهو مبلغ يشكل عبئاً كبيراً على أسرة تعتمد على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل.

الإقامة في دمشق عبء إضافي على المرضى

بعد الوصول إلى دمشق، تواجه عائلات مرضى السرطان مشكلة أخرى تتمثل في تأمين مكان للإقامة.

وتتراوح أسعار الغرف الفندقية المتواضعة، وفق إفادات المرضى، بين 50 و100 دولار لليلة الواحدة، ما يجعل الإقامة لفترات طويلة أمراً صعباً بالنسبة إلى الأسر محدودة الدخل.

ويستعين بعض المرضى بأقارب لهم في دمشق، لكن هذا الخيار لا يكون متاحاً لجميع العائلات أو في كل زيارة.

ويقول والد محمد إن جمعية «بسمة» تغطي تكاليف علاج طفله، لكن مصاريف السفر والإقامة والتنقل اليومي داخل دمشق تبقى أعباء كبيرة على الأسرة، مؤكداً أن توفر العلاج الإشعاعي في إدلب كان سيخفف كثيراً من هذه التكاليف.

نقص العلاج الإشعاعي يفاقم معاناة مرضى المحافظات

يوضح طبيب الأورام ومدير قسم الأورام في مشفى إدلب المركزي، أيهم جمو، أن الخدمات المتوفرة في المركز تقتصر حالياً على العلاج الكيميائي، بينما تتوفر العمليات الجراحية ضمن المشفى، في حين لا يتوفر العلاج الإشعاعي في إدلب.

ويشير الطبيب إلى أن بعض أنواع السرطان، مثل أورام القولون والمعدة، تتوفر لها علاجات في إدلب، بينما يحتاج مرضى أنواع أخرى إلى تأمين بعض الأدوية أو الجرعات على نفقتهم الخاصة.

ويتمثل أحد أكبر التحديات، وفق الطبيب، في عدم توفر الأدوية المناعية، وهي أدوية مرتفعة التكلفة ولا تتوفر مجاناً على نطاق واسع.

ورغم مجانية العلاج في المركز، تبقى تكاليف السفر والإقامة والتنقل من أبرز الأعباء التي يتحملها مرضى السرطان وعائلاتهم.

جمعية بسمة تدعم آلاف الأطفال المصابين بالسرطان

في ظل هذه التحديات، تبرز جمعية «بسمة» كإحدى المبادرات الأهلية التي تقدم الدعم للأطفال المصابين بالسرطان في سوريا.

وتأسست الجمعية عام 2006، وتقدم برامج تشمل الدعم الطبي والدوائي والنفسي والاجتماعي للأطفال المصابين بالسرطان.

وتدعم الجمعية الأطفال من عمر يوم وحتى 18 عاماً من مختلف المحافظات السورية، وتوفر العلاج والأدوية مجاناً، فيما وصل عدد الأطفال الذين استفادوا من خدماتها إلى أكثر من 11 ألف طفل، بحسب المعلومات الواردة من الجمعية.

وتخدم الجمعية حالياً نحو 60% من الأطفال الذين يتم تشخيص إصابتهم بالسرطان سنوياً، فيما بلغت نسبة الشفاء للحالات المقبولة خلال عامي 2018 و2019 نحو 76%.

وتبلغ النفقات التشغيلية الشهرية للجمعية نحو 1.7 مليار ليرة سورية، وفق البيانات التي قدمتها الجمعية.

تراجع الدعم يهدد قدرة الجمعية على تقديم العلاج

تقدم جمعية «بسمة» أدوية العلاج الكيميائي والأدوية الداعمة في عدد من وحدات علاج سرطان الأطفال في دمشق، بما فيها مشافي الأطفال والمواساة والوطني الجامعي والمجتهد وابن النفيس.

كما تدير الجمعية وحدة متخصصة في مشفى البيروني الجامعي بدمشق، تضم 40 سريراً داخلياً و12 سريراً خارجياً، وتستقبل نحو 450 حالة سنوياً، بحسب بيانات الجمعية.

لكن ارتفاع الاحتياجات وتراجع الموارد المالية فرضا تحديات جديدة على الجمعية.

وتقول المديرة التنفيذية للجمعية إن «بسمة» بدأت أخيراً في خفض بعض النفقات بسبب الصعوبات المالية، ما أدى إلى وقف تغطية بعض الصور الشعاعية الخاصة بالمتابعة، باستثناء الحالات الإسعافية، وتحميل الأهالي جزءاً من تكاليفها.

كما توقفت الجمعية عن تقديم بعض الأدوية الداعمة في عدد من المشافي، بينما استمرت خدمات محددة داخل وحدة «بسمة» التخصصية.

محدودية الطاقة الاستيعابية تحد من استقبال الحالات الجديدة

وتواجه وحدة «بسمة» التخصصية مشكلة أخرى تتمثل في محدودية الطاقة الاستيعابية، إذ لا تستقبل سوى أول 30 حالة جديدة تصل إلى الجمعية شهرياً، وفق المديرة التنفيذية.

وترتبط هذه المحدودية بطبيعة علاج السرطان، إذ يحتاج المريض إلى العودة بشكل دوري للحصول على الجرعات العلاجية، ما يتطلب توفير سرير ومكان للعلاج في المواعيد المحددة.

وبينما يستمر مرضى السرطان في القدوم من مختلف المحافظات إلى دمشق للحصول على الخدمات العلاجية المتخصصة، تكشف قصص المرضى عن فجوة واضحة في توزيع الخدمات الطبية، ولا سيما العلاج الإشعاعي، إضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل والإقامة والفحوصات.

وتبقى معاناة المرضى القادمين من المحافظات مرتبطة ليس فقط بتوفير العلاج، وإنما أيضاً بقدرتهم على الوصول إليه والاستمرار فيه، في ظل تكاليف متزايدة تضيف أعباء جديدة إلى رحلة علاجية شاقة أساساً.

إقرأ أيضاً: اعتداءات على المشافي في سوريا.. كيف تُحمى الكوادر الطبية وحقوق المرضى؟

إقرأ أيضاً: دمشق: مرافقو أطفال مرضى يفترشون الأرصفة أمام مشفى المواساة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.