حلب: مدينة غائبة عن الأخبار وحاضرة في قلب أزمة الأمن ووحدة البلاد
تمتلئ الشاشات والصحف يومياً بالأخبار القادمة من إيران واليمن والسودان، ومن الولايات المتحدة وروسيا، بينما نادراً ما يحضر اسم فنلندا أو الدنمارك في عناوين الأخبار. فالاستقرار الشديد لا يصنع عادةً أخباراً مثيرة، كما أن الدول التي اعتادت الأزمات قد تفقد حضورها الإعلامي عندما تصبح أخبارها المتكررة جزءاً من المشهد اليومي.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة الغياب النسبي لمدينة حلب عن المشهد الإعلامي السوري. فحلب ليست مدينة مستقرة إلى درجة أن يكون غياب أخبارها طبيعياً، وليست أيضاً مدينة غارقة في الفوضى إلى الحد الذي يجعل أخبارها مستعصية على المتابعة. إنها مدينة تعيش حالة صامتة من التراجع، وتلملم جراحها بعيداً عن الاهتمام الإعلامي، رغم مكانتها التاريخية والسكانية والاقتصادية الكبيرة.
مدينة تاريخية تواجه تحديات أمنية واقتصادية
تُعد حلب من أقدم المدن في العالم، وهي إحدى أهم المدن السورية وأكثرها سكاناً وثقلاً اقتصادياً. وعلى الرغم من هذه المكانة، تعيش المدينة اليوم ظروفاً صعبة تتعلق بالأمن والاقتصاد والبطالة، وسط شعور متزايد لدى السكان بأن المدينة لا تحظى بالاهتمام الذي يتناسب مع حجمها ودورها في تاريخ سوريا.
وتشير معلومات محلية إلى انتشار حوادث السرقة في عدد كبير من أحياء حلب وفي أوقات مختلفة، بينما لا تصل جميع هذه الحوادث إلى الجهات المختصة، ما يجعل من الصعب تقديم إحصاءات شاملة عن حجم الجريمة في المدينة.
كما شهدت حلب خلال الفترة الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في جرائم القتل الجنائي والعشوائي. ووفق الأرقام الواردة، وقعت منذ بداية العام 69 جريمة قتل من هذا النوع، أسفرت عن وفاة 79 شخصاً، بينهم 19 امرأة و7 أطفال.
انتشار السلاح والبطالة يزيدان التوتر
لا تقتصر مظاهر التدهور الأمني في حلب على جرائم القتل والسرقة، إذ تتحول بعض الخلافات المحلية والعائلية والعشائرية إلى مواجهات مسلحة تسفر عن سقوط قتلى وجرحى.
وشهدت المدينة منذ بداية العام ثلاث حوادث كبيرة من هذا النوع، إلى جانب عشرات الحوادث الأقل حجماً التي لا تحظى بالاهتمام الإعلامي بسبب اقتصارها على إصابات محدودة.
ويزيد انتشار السلاح والمخدرات وارتفاع معدلات البطالة من هشاشة الوضع الأمني، إذ يمكن لخلاف بسيط، مثل نزاع على موقف للسيارات، أن يتطور في بعض الحالات إلى مواجهة عنيفة.
وبحسب دراسة لمركز التنمية السوري، بلغت نسبة البطالة في حلب نحو 50% من قوة العمل، وترتفع إلى 60% بين الشباب، وهو ما يضيف عاملاً اقتصادياً مهماً إلى المشهد الأمني والاجتماعي في المدينة.
هل حلب أكثر خطورة أمنياً من حمص؟
يسود في الأحاديث اليومية اعتقاد بأن حمص تشهد انفلاتاً أمنياً واسعاً، مع تداول مخاوف من وقوع جرائم قتل عشوائية ذات دوافع طائفية، الأمر الذي جعل المدينة توصف أحياناً بأنها من أكثر المناطق السورية خطورة من الناحية الأمنية.
لكن الأرقام المتاحة ترسم صورة مختلفة؛ إذ تشير البيانات الواردة إلى أن حلب شهدت عدداً أكبر من جرائم القتل، بعضها مرتبط بخلافات عشائرية وعرقية، بينما ارتبطت غالبية الحالات بأسباب جنائية.
ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة أن حلب هي المدينة الأكثر خطورة في سوريا في كل المؤشرات، لكنها تكشف عن حجم المشكلة الأمنية التي تواجهها مدينة ذات أهمية استثنائية بالنسبة للدولة السورية.
أمن حلب مرتبط بوحدة سوريا
خلال السنوات الماضية، ظهرت مخاوف ونقاشات بشأن احتمالات الانفصال أو التفكك في عدد من المناطق السورية، من الساحل إلى الجزيرة والسويداء، وتفاوتت هذه المخاوف بين مرحلة وأخرى.
لكن الخطر على وحدة سوريا قد لا يرتبط فقط بالمناطق التي يُثار حولها الحديث عن الانفصال، بل يمكن أن يرتبط أيضاً بتراجع المدن الكبرى وفقدانها لدورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
وفي هذا السياق، تبرز حلب باعتبارها واحدة من أهم ركائز الدولة السورية. فضعف المدينة وانزواؤها وتراجع حضورها الاقتصادي والأمني يمكن أن تكون لها تداعيات تتجاوز حدودها الجغرافية.
دمشق وحلب.. قطبا التاريخ السوري
تختلف المدن السورية في حجمها ودورها التاريخي والجغرافي، لكن دمشق وحلب ظلتا على مدى قرون مركزين أساسيين للقوة والنفوذ في بلاد الشام.
فالمدن الكبرى تمتلك من الموارد البشرية والاقتصادية والتاريخية ما يمنحها قدرة أكبر على الاستمرار والتأثير، بخلاف المناطق الطرفية أو الضواحي التي يصعب عليها بناء منظومة متكاملة ومستقلة بعيداً عن المراكز الكبرى.
ولهذا، فإن مستقبل حلب لا يتعلق فقط بالمدينة وسكانها، وإنما يرتبط بصورة أوسع بمستقبل سوريا نفسها.
إهمال حلب قد يتحول إلى خطر على مستقبل سوريا
لا تتوافر معطيات كافية للحكم على وجود مشاريع إقليمية محددة تجاه حلب، بما في ذلك الدور التركي، لكن المؤكد أن استمرار تراجع المدينة وانزوائها يمثلان تحدياً كبيراً أمام الدولة السورية.
فحلب ليست مجرد مدينة سورية كبيرة، بل هي جزء أساسي من التوازن التاريخي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد. وإذا كانت دمشق وحلب شكلتا عبر التاريخ مركزَي الثقل الرئيسيين في سوريا وبلاد الشام، فإن إضعاف أحدهما ينعكس بالضرورة على التوازن الداخلي للبلاد.
ومن هنا، فإن أزمة حلب الأمنية والاقتصادية ليست قضية محلية فحسب، بل قضية تتصل بمستقبل سوريا ووحدتها. واستعادة الأمن والاستقرار والنشاط الاقتصادي في المدينة قد تكون من أهم الشروط لإعادة بناء الدولة السورية وتعزيز تماسكها في السنوات المقبلة.
إقرأ أيضاً: 2500 طن من نفايات حلب يومياً.. موارد اقتصادية غير مستثمرة تتجه إلى المطامر
إقرأ أيضاً: احتجاجات حلب والحسكة والسويداء.. أزمات الكهرباء والأجور تضع الخدمات والإنتاج على المحك