الجغرافيا السورية.. ثروة معلّقة بين ممرات الطاقة ومستنقع الصراعات الإقليمية
ليست سوريا مجرد مساحة تقع على خارطة الشرق الأوسط، بل عقدة جغرافية تختزن أكثر مما تحتمل. فمنذ آلاف السنين، كانت دمشق ممراً للقوافل والجيوش والإمبراطوريات، واليوم تعود الجغرافيا السورية لتفرض نفسها من جديد في زمن تتصارع فيه القوى الكبرى على خطوط الطاقة والتجارة وممرات النفوذ.
لكن المفارقة القاسية أن الموقع الذي كان يمكن أن يحوّل سوريا إلى مركز اقتصادي إقليمي، جعلها خلال العقود الأخيرة ساحة مفتوحة للصراعات، وبدلاً من أن تكون بوابة عبور أصبحت أرضاً تعبر فوقها مشاريع الآخرين وحساباتهم.
ففي الشرق الأوسط لا تُقاس أهمية الدول بمساحتها أو عدد سكانها فقط، بل بموقعها داخل شبكة المصالح الدولية. وسوريا تقع في قلب هذه الشبكة: بين البحر المتوسط والعراق والخليج وتركيا، وعلى مقربة من طرق الطاقة والتجارة التي يعاد رسمها عالمياً.
ومع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، تعود الجغرافيا السورية إلى واجهة المشهد مجدداً، إذ تتحول البلاد إلى نقطة تماس بين مشاريع متنافسة، في ظل استمرار آثار سنوات الحرب وضعف الدولة وتعدد القوى المؤثرة على الأرض.
الجغرافيا التي صنعت النفوذ وصنعت الحرب
يرى الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان أن الموقع السوري يمثل فرصة استراتيجية كبرى، لكنه تحول في الوقت نفسه إلى عبء على الدولة السورية بسبب تنافس القوى الإقليمية والدولية عليه.
ويقول إن سوريا تشكل حلقة وصل بين تركيا وأوروبا ودول الخليج، ويمكن أن تتحول إلى مركز للنقل والتجارة والطاقة إذا توفرت بيئة سياسية وأمنية مستقرة.
لكن هذا الاحتمال يصطدم بواقع مختلف؛ فالجغرافيا السورية نفسها أصبحت سبباً في تصاعد الصراع، بعدما تحولت البلاد إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين واشنطن وطهران، وميداناً لتنافس النفوذ بين إيران وتركيا والولايات المتحدة وروسيا.
وبالنسبة لإيران، تمثل سوريا حلقة استراتيجية ضمن مشروعها الإقليمي، باعتبارها ممراً يربط طهران بالعراق وصولاً إلى لبنان، بينما ترى الولايات المتحدة وحلفاؤها أن تقليص هذا النفوذ يمر عبر تغيير طبيعة الحضور الإيراني في الأراضي السورية.
ويشير علوان إلى أن من يملك القدرة على التأثير في دمشق لا يملك ورقة سورية فقط، بل يمتلك تأثيراً في ملفات العراق ولبنان وشرق المتوسط وحسابات الأمن الإقليمي.
ممرات الطاقة.. فرصة اقتصادية تصطدم بدولة منهكة
لا تقتصر أهمية سوريا على الجانب العسكري، فموقعها يمنحها دوراً محتملاً في إعادة تشكيل طرق التجارة والطاقة. ومع اضطراب بعض الممرات البحرية الدولية، برزت الحاجة إلى طرق برية بديلة يمكن أن تربط الخليج بالعالم عبر العراق وسوريا وتركيا.
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع اقتصادي يحتاج إلى دولة مستقرة ومؤسسات قادرة على إدارة الموقع لا إلى ساحة نفوذ تتجاذبها القوى الخارجية.
وهنا تكمن المعضلة السورية الكبرى؛ فبينما تتحدث الحكومات المتعاقبة عن استثمار الموقع الجغرافي، بقيت البلاد عاجزة عن حماية هذه الميزة وتحويلها إلى مشروع وطني. وحتى الحكومة السورية الانتقالية تواجه اختباراً حاسماً: هل تستطيع بناء دولة قادرة على احتكار القرار والسيطرة على حدودها، أم ستبقى الجغرافيا السورية رهينة التوازنات الخارجية؟
فالحديث عن مشاريع الطاقة والممرات التجارية يبدو بعيداً عن الواقع ما لم تُحل أولاً أزمات الأمن والسيادة وإعادة بناء المؤسسات.
بين فرصة تاريخية وخطر التحول إلى ساحة نفوذ
ويرى الكاتب والصحفي أحمد مظهر سعدو أن سوريا تقع ضمن مسارات طريق الحرير الجديد، ويمكن أن تصبح ممراً مهماً لسلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً مع تصاعد الحاجة إلى بدائل عن الطرق البحرية المضطربة.
لكنه يحذر من أن هذه الأهمية قد تدفع بعض القوى إلى عرقلة استقرار سوريا لمنع تشكل مسارات جديدة للطاقة والتجارة.
فالدول لا تخسر موقعها الجغرافي، لكنها قد تخسر قدرتها على استثماره. وهذا ما حدث في سوريا؛ إذ بقيت الجغرافيا ثابتة بينما تراجعت الدولة، فتحول الموقع من مصدر قوة إلى عامل جذب للصراعات.
اليوم تبدو دمشق أمام معادلة صعبة: العالم يحتاج إلى استقرار سوريا بسبب موقعها، لكن هذا الاستقرار نفسه يصطدم بتراكمات الحرب، وضعف المؤسسات، وتعدد مراكز النفوذ.
فالجغرافيا السورية لم تكن يوماً مشكلة بحد ذاتها، بل المشكلة كانت دائماً في غياب الدولة القادرة على تحويلها من ساحة صراع إلى مركز قوة. وبينما تتنافس القوى الكبرى على الممرات والحدود، يبقى السوريون أمام سؤال أكثر قسوة: متى تتحول أرضهم من طريق لمشاريع الآخرين إلى مشروعهم الخاص؟
اقرأ أيضاً: مشروع خط أنبوب (كركوك– بانياس): إعادة رسم الجغرافيا السياسية للنفط في المشرق العربي