أنقاض سوريا تتجاوز 50 مليون متر مكعب.. هل تتحول إزالة الركام إلى خطوة فعلية نحو التعافي؟
لا يزال الركام واحداً من أثقل آثار الحرب حضوراً في المدن والبلدات السورية، بعدما تجاوز حجمه 50 مليون متر مكعب، وفق تقديرات رسمية. وبينما بدأت مشاريع متفرقة بإزالة الأنقاض وفرزها وإعادة تدوير جزء منها، تبدو البلاد أمام ملف يتجاوز تنظيف الشوارع إلى معالجة واحدة من أكبر عوائق التعافي: أبنية مدمرة، طرق مغلقة، ملكيات غير محسومة، وخدمات يصعب استعادتها في مناطق ما زالت آثار الدمار تملأ فضاءها العام.
وتستهدف الخطة الحكومية إزالة نحو 6 ملايين متر مكعب خلال 2026، على أن يمتد العمل للوصول إلى ما تسميه وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث “سوريا بلا أنقاض” بحلول منتصف 2028. لكن حجم المتراكم واتساع رقعة المناطق المتضررة يجعلان الهدف مرتبطاً بقدرة الدولة على الحفاظ على وتيرة عمل ثابتة، لا بمجرد إطلاق مشاريع متفرقة أو تحديد مواعيد نهائية.
3 ملايين متر مكعب أزيلت خلال ثمانية أشهر
قال وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح، في تصريح نقلته “سانا” في 11 أيلول، إن نحو 3 ملايين متر مكعب من الأنقاض أزيلت خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، مع استهداف إزالة كمية مماثلة خلال الأشهر الأربعة المتبقية.
ويشمل العمل مشاريع في حلب وريف دمشق وحمص ودير الزور ومناطق أخرى، مع انتقال تدريجي من مجرد ترحيل الركام إلى فرزه وتكسيره والاستفادة من مكوناته في الطرق ومواد البناء.
وفي حلب، أزيل نحو 550 ألف متر مكعب خلال المرحلة الأولى من مشروع شمل أكثر من 30 مدينة وبلدة، فيما توسعت المرحلة الثانية إلى مناطق إضافية. أما في دوما وداريا، فتضمنت الأعمال إعادة تدوير نحو 30 ألف متر مكعب من الأنقاض والاستفادة من نواتج التكسير والفرز في مشاريع خدمية.
لكن هذه الأرقام، على أهميتها، تبقى محدودة أمام حجم الركام المتراكم على مستوى البلاد، ما يجعل الفجوة بين حجم المشكلة والقدرة على معالجتها أحد أبرز تحديات الملف.
دير الزور وحمص.. الركام يتحول إلى مادة إنتاج
في حمص، يتجاوز حجم الأنقاض 8 ملايين متر مكعب، مع مشروع لترحيلها وإعادة تدويرها وتحويل جزء منها إلى طوب وحجارة إنترلوك ومواد قابلة للاستخدام.
أما دير الزور، فتواجه كتلة أكبر، إذ يقدّر حجم الأنقاض في المدينة بنحو 10 ملايين متر مكعب. ويستهدف مشروع “فجر الفرات” إزالة وإعادة تدوير نحو 8 ملايين متر مكعب خلال 18 شهراً، بطاقة تشغيلية مستهدفة تصل إلى 15 ألف متر مكعب يومياً، مقابل 1800 إلى 3000 متر مكعب يومياً في المرحلة التجريبية.
وتشمل العملية كشف الأبنية المدمرة والآيلة للسقوط وهدم ما يلزم، ثم نقل الركام وفرزه ومعالجته لاستخراج الحديد والخرسانة والحجارة والطوب وغيرها من المواد القابلة لإعادة الاستخدام
.إزالة الأنقاض ليست نهاية الطريق
تمنح إعادة التدوير الملف بعداً اقتصادياً يتجاوز التخلص من الركام، إذ يمكن تحويل جزء من المخلفات إلى مواد تدخل في تأهيل الطرق والبنية التحتية، بينما توفر عمليات الجمع والنقل والمعالجة فرص عمل.
وضمن مبادرة “REVIVE”، أزال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وشركاؤه أكثر من 570 ألف طن من الأنقاض وأعادوا تأهيل أكثر من 10 كيلومترات من الطرق، مع توفير نحو 4300 فرصة مدرة للدخل.
لكن إعادة تدوير الركام تحتاج إلى معايير فنية وضوابط بيئية وقدرات معالجة مستمرة، وهو ما يجعل نجاحها مرتبطاً بالبنية المؤسسية والتمويل والرقابة، وليس فقط بتوافر الأنقاض.
وفي المقابل، يبقى الجانب الأكثر إلحاحاً بالنسبة للسكان هو إزالة ما يفصلهم عن منازلهم وخدماتهم. ففي اليرموك والحجر الأسود وريف دمشق وحلب ودير الزور ومناطق أخرى، لا يمثل الركام مخلفات حرب فحسب، بل عائقاً أمام فتح الطرق، وترميم المنازل، وإعادة الخدمات، وحسم وضع الأبنية والملكيات.
لذلك، فإن الوصول إلى “سوريا بلا أنقاض” لا يقاس فقط بعدد الأمتار المكعبة التي تُرحّل، بل بما إذا كانت هذه العمليات تفتح فعلاً الطريق أمام عودة السكان وإعادة بناء المدن. وحتى ذلك الحين، يبقى الركام شاهداً على فجوة واسعة بين حجم الدمار وسرعة التعافي التي تحتاجها المناطق المتضررة.
اقرأ أيضاً: العودة إلى الأنقاض.. سوريون يغادرون المخيمات بحثاً عن حياة بين ركام منازلهم