الصحافيون في سوريا تحت تهديد الابتزاز والقتل الإلكتروني

لم تتوقع الصحافية السورية رنا (اسم مستعار) أن تتحول عودتها إلى سوريا إلى بداية رحلة من الملاحقة والتهديد الإلكتروني. بدأت قصتها برسائل متكررة عبر منصات التواصل الاجتماعي من حسابات مجهولة، تضمنت عبارات تكفير واتهامات بسبب عملها الصحافي، قبل أن تتطور التهديدات إلى كشف عنوان إقامتها بالتفصيل في دمشق.

تقول رنا لـ “العربي الجديد” إن أحد الحسابات أرسل إليها عنوان منزلها، ما دفعها إلى تتبع صاحبه، لتكتشف لاحقًا أنه شخص من أبناء عشيرتها سبق أن انضم إلى تنظيم “داعش” في المنطقة الجنوبية.

حاولت رنا تقديم شكوى، إلا أن أحد معارفها نصحها بعدم التصعيد واللجوء إلى العرف العشائري. وتقول إن سلطة العشيرة بدت أقوى من القانون، ما دفعها إلى مغادرة منزلها والانتقال إلى مكان آخر، إضافة إلى قطع صلتها بأقاربها خشية أن يتمكنوا من معرفة مكان إقامتها.

الابتزاز الإلكتروني يهدد الصحافيات السوريات

وفي مدينة أعزاز شمال حلب، واجهت الصحافية سوسن تجربة مختلفة من التهديد الرقمي، بعدما تعرض هاتفها للاختراق وسُرقت منه محادثات وصور شخصية.

وتروي سوسن أن شخصًا تعرفه تواصل معها عبر تطبيق “واتساب”، قبل أن يرسل إليها صورها ويبدأ بتهديدها، ثم انتقل في اليوم التالي إلى محاولة ابتزازها جنسيًا.

اختارت سوسن في البداية مغادرة المكان بصمت، لكن الرسائل استمرت، ما دفعها لاحقًا إلى التفكير في الإبلاغ عن الشخص. كما تواصلت مع أحد أقاربها العاملين في الأمن العام، وأبلغته أنها ستلجأ إلى القضاء في حال لم يتوقف عن نشر الصور أو استخدامها للضغط عليها.

لاحقًا، تواصلت سوسن مع منظمة تقدم خدمات الحماية للصحافيات السوريات، وساعدتها على تأمين حساباتها وتغييرها وتوفير إجراءات للحماية الرقمية.

ورغم قرارها الإبلاغ، تقول سوسن إن خوفها لم يكن من المبتز وحده، بل من نظرة المجتمع إليها وتحميلها مسؤولية ما تعرضت له، وهو ما جعلها تفكر في الهروب وإغلاق القضية بدل الاستمرار في مواجهتها.

التهديدات تطاول الصحافيين الرجال أيضًا

ولا تقتصر التهديدات الرقمية على الصحافيات، إذ تعرض صحافيون سوريون أيضًا لحملات تهديد وصلت في بعض الحالات إلى التهديد بالقتل.

ومن بين هؤلاء الصحافي علي عيد، الذي يقول إن الخلافات والانتقادات عبر منصات التواصل الاجتماعي يمكن أن تبقى ضمن نطاق مقبول عندما تقتصر على رفض الآراء أو انتقادها، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول إلى محاولة فرض توجه أو فكر ذي طابع أيديولوجي باستخدام التهديد.

ويشير عيد إلى تلقيه رسائل تضمنت عبارات مثل “جهز رأسك”، معتبرًا أن هذه العبارات تمثل تهديدًا مباشرًا بإيذائه جسديًا.

ولم تتوقف التهديدات عنده، إذ نُشرت صورة لزوجته في سياق الرسائل، في إشارة، بحسب عيد، إلى معرفة أصحاب التهديد بوضعه الاجتماعي وقدرتهم على الوصول إلى أفراد أسرته.

حرية الصحافة في سوريا أمام تحديات قانونية ورقمية

تأتي هذه الحالات في وقت تواجه فيه البيئة الإعلامية السورية تحديات متزايدة على المستويين القانوني والرقمي.

ورغم تقدم سوريا 36 مرتبة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 لتصل إلى المركز 141، فإن هذا التحسن لا يعني بالضرورة استقرار بيئة العمل الصحافي أو انتهاء المخاطر التي تواجه الإعلاميين.

ويتعرض صحافيون لحملات تشويه وتنمر وتهديدات ومحاولات اختراق إلكتروني، في وقت لا تزال فيه المنظومة القانونية المنظمة للعمل الإعلامي محل نقاش، وسط ما يصفه عاملون في القطاع بوجود فراغ تشريعي وتعدد في القوانين الناظمة للمهنة.

كما يواجه بعض الصحافيين تداعيات قانون الجرائم الإلكترونية الصادر عام 2022، الذي استُخدم في ملاحقات وتوقيفات على خلفية شكاوى تتعلق بجرائم معلوماتية.

وفي هذا السياق، أصدرت وزارة العدل تعميمًا حمل الرقم 26، يتضمن ضوابط تتعلق بالتوقيف الاحتياطي وإذاعة البحث في قضايا الجرائم المعلوماتية، بحيث لا تتم هذه الإجراءات إلا بقرار قضائي يستند إلى ضوابط قانونية واضحة، مع ترشيد الإحالة إلى الضابطة العدلية وحصرها بالحالات التي تتطلب تحقيقًا رقميًا فنيًا أو عندما يكون مرتكب الجريمة مجهول الهوية.

مطالب بإصدار قانون جديد للإعلام في سوريا

في ظل هذه التحديات، تتجه الأنظار إلى مشروع قانون إعلام جديد يُفترض أن يوفر إطارًا قانونيًا أكثر وضوحًا لتنظيم العمل الصحافي وحماية الحريات الإعلامية في سوريا.

وأظهرت دراسة أصدرتها “رابطة الصحفيين السوريين” في أبريل/نيسان 2025 بعنوان “الصحافة الأخلاقية والقوانين الناظمة لها في سورية”، أن تعدد القوانين وغياب قانون موحد يؤديان إلى وجود فجوات قانونية وتباين في طريقة التعامل مع الصحافيين.

وتشير الدراسة إلى أن حماية الصحافي لا ينبغي أن تقتصر على منع الاعتداءات الجسدية، وإنما يجب أن تشمل ضمانات واضحة لحرية التعبير وحماية المصادر، ومنع استخدام القوانين العامة وسيلة لتقييد العمل الصحافي أو التأثير في استقلاليته.

وبعد تصريحات وزير الإعلام خالد زعرور حول مسودة قانون الإعلام وتشكيل لجنة لمتابعة إعدادها، تترقب الأوساط الصحافية ملامح الإطار القانوني الجديد ومدى قدرته على معالجة المشكلات التي تواجه العاملين في الإعلام.

قانون الإعلام الجديد.. ماذا يتضمن؟

يوضح مدير إدارة الشؤون الصحافية والتراخيص في وزارة الإعلام، عمر حاج أحمد، أن مهام المكاتب الحالية في الوزارة تتركز على القضايا الروتينية، مثل تسهيل الوصول إلى المعلومات وإصدار التصاريح والتدخل لحل بعض الإشكالات ومتابعة الحالات الصحية والطارئة التي تخص الصحافيين.

أما في ما يتعلق بالجرائم الرقمية، فيتمثل دور الوزارة، بحسب حاج أحمد، في التنسيق ومتابعة هذه القضايا مع وزارة الداخلية، مشيرًا إلى الانتهاء من إعداد مسودة قانون للجرائم الإلكترونية قبل نحو شهر.

وعن قانون الإعلام المرتقب، يوضح حاج أحمد أن التصور المطروح يتضمن تشكيل لجنة قانونية ومسلكية متخصصة برئاسة قاضٍ مختص بالشأن الإعلامي، إلى جانب مقترح إنشاء غرف قضائية في محاكم المحافظات بهدف تسريع البت في القضايا المرتبطة بالإعلام.

ومن المنتظر أن تتولى اللجنة المقترحة النظر في النزاعات الإعلامية وإجراءات تصحيح المواد ونشر الردود، إضافة إلى متابعة التراخيص والشكاوى المتعلقة بالسياسات التحريرية والممارسة المهنية.

النقابات والجهات الصحافية أمام اختبار الحماية

لا تقتصر مواجهة التهديدات التي تطاول الصحافيين على المؤسسات الحكومية، إذ تلعب الأجسام النقابية والحقوقية دورًا متزايدًا في توفير الدعم القانوني والمهني للصحافيين المهددين.

ويشير أمين العلاقات والاتصال في “اتحاد الصحفيين السوريين”، براء عثمان، إلى اعتماد آليات للتعامل مع التهديدات، تبدأ بفتح قنوات اتصال مباشرة مع الصحافي، ثم إحالة الحالة بصورة عاجلة إلى المكتب التنفيذي لمتابعتها عبر محامي الاتحاد واللجان القانونية في المحافظات.

ويؤكد عثمان أن التعامل مع هذه الحالات يتم وفق بروتوكول يقوم على السرية وحماية هوية الصحافي، خصوصًا في القضايا التي تتضمن تهديدات مباشرة.

صعوبة تعقب الحسابات الوهمية

تُعد صعوبة تحديد هوية أصحاب الحسابات الوهمية والمشفرة إحدى أبرز العقبات التي تواجه الصحافيين الذين يتعرضون للتهديد الإلكتروني.

ويشير عثمان إلى أن بعض التهديدات تتم عبر حسابات مجهولة أو مشفرة، في وقت قد تؤدي الإجراءات القضائية البطيئة أحيانًا إلى إبقاء الصحافي تحت ضغط نفسي لفترة طويلة.

كما أن خوف بعض الصحافيين من الإعلان عن تعرضهم للتهديد يزيد من صعوبة توثيق هذه الانتهاكات والتعامل معها في الوقت المناسب.

رابطة الصحفيين السوريين ودور التوثيق

إلى جانب “اتحاد الصحفيين السوريين”، تؤدي “رابطة الصحفيين السوريين” دورًا في توثيق الانتهاكات التي يتعرض لها الصحافيون، من خلال التقارير الحقوقية الصادرة عن المركز السوري للحريات الصحافية.

ويصف الصحافي ونائب رئيس الرابطة عماد طواشي الرابطة بأنها جسم توثيقي ومناصري يعمل في ظل غياب قانون للتعددية النقابية يمنحها صفة نقابية رسمية.

ويؤكد طواشي أن التعامل مع التهديدات المباشرة التي تمس حياة الصحافي أو سلامته الجسدية يجب أن يبدأ بإجراءات حماية فورية، والتواصل مع الجهات الأمنية والقضائية المختصة في مكان وجود الصحافي.

كما ينصح الصحافيين الذين يتعرضون للتهديدات بعدم التعامل معها بصورة فردية، وطلب المشورة القانونية وتوثيق الأدلة المتعلقة بالتهديد.

حماية الصحافيين في سوريا تتطلب تشريعًا وآليات رقمية

تكشف شهادات الصحافيين والصحافيات أن التهديدات الرقمية أصبحت جزءًا من المخاطر التي تواجه العمل الإعلامي في سوريا، بدءًا من التنمر وحملات التشويه، مرورًا باختراق الحسابات وتسريب البيانات والصور، وصولًا إلى التهديد بالقتل والابتزاز الجنسي.

ولا تتوقف خطورة هذه الممارسات عند الأثر النفسي على الصحافي، إذ يمكن أن تتحول المعلومات الشخصية المسربة إلى تهديد مباشر للسلامة الجسدية للصحافي وأفراد أسرته.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إطار قانوني واضح يحمي حرية الصحافة ويضمن عدم استخدام التشريعات كوسيلة للتضييق على الإعلاميين، إلى جانب تطوير آليات فعالة للتعامل مع الجرائم الإلكترونية والتهديدات الرقمية.

كما تبدو الحاجة ملحة إلى برامج حماية رقمية متخصصة توفر إجراءات وقائية واستجابة سريعة للصحافيين المهددين، مع مراعاة خصوصية الصحافيات اللاتي قد يواجهن، إلى جانب التهديد نفسه، ضغوطًا اجتماعية وعمليات ابتزاز تستند إلى الصور والبيانات الشخصية.

وفي ظل التحولات التي تشهدها سوريا، يبقى اختبار حماية الصحافيين مرتبطًا بقدرة المؤسسات الرسمية والنقابية والقضائية على بناء منظومة متكاملة تضمن حرية العمل الإعلامي، وتحاسب مرتكبي التهديدات والاعتداءات، وتوفر للصحافي بيئة آمنة لممارسة مهنته.

إقرأ أيضاً: رغم وعود المراجعة.. الشبكة السورية لحقوق الإنسان تحذر من بقاء قانون الجرائم الإلكترونية أداة تهدد الحريات

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.