آبار مهجورة في سوريا تتحول إلى خطر يومي.. 61 حادثة سقوط خلال عامين
وثّق تحقيق صحفي 61 حادثة سقوط في آبار وجباب مكشوفة أو مهجورة في مناطق من شمالي سوريا، خلال الفترة بين كانون الثاني/يناير 2024 وأيار/مايو 2026، بينها حوادث أودت بحياة أطفال وشاب، في ظل غياب وسائل الحماية عن عدد من هذه المواقع وصعوبة عمليات الإنقاذ في الآبار العميقة والضيقة.
وأعدت “الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج” التحقيق بعد عمل ميداني في محافظات حلب وإدلب وحماة، شمل زيارة مواقع حوادث سقوط أطفال، ومقابلة عائلات ضحايا وناجين وعناصر في الدفاع المدني السوري، إلى جانب مراجعة وثائق قانونية ومواد مصورة والتحقق منها ميدانياً ورقمياً.
وبحسب التحقيق، سجلت حلب وإدلب وحماة أعلى نسبة من حوادث الاستجابة المرتبطة بالسقوط في الآبار والجباب، فيما حصل فريق “سراج” على شهادات 56 مزارعاً تحدثوا عن عمليات نهب طالت آباراً وجباباً خلال سنوات الحرب، ثم تُركت بعض هذه المواقع مفتوحة بعد تجريدها من تجهيزاتها.
أطفال بين ضحايا الآبار المفتوحة
يرصد التحقيق عدداً من الحالات التي انتهت بوفاة أطفال، من بينها حادثة الطفل وليد وحيد الخليف، البالغ من العمر ست سنوات، الذي سقط في 2 آذار/مارس 2026 داخل بئر في قرية “مزرعة السرحان” جنوبي حلب.
وبلغ قطر البئر نحو 40 سنتيمتراً وعمقه قرابة 80 متراً، فيما عرقلت الصخور الموجودة في داخله جهود فرق الإنقاذ للوصول إلى الطفل.
وفي اليوم ذاته، توفيت الطفلة دمعة مقداد البروش، التي لم تكن قد أتمت عامها الثاني، إثر سقوطها في بئر بريف حماة الشرقي. ويبلغ عمق البئر نحو 110 أمتار، بينها أكثر من 70 متراً مغمورة بالمياه، واستغرقت عملية البحث والانتشال نحو ست ساعات، وفق ما أورده التحقيق.
في المقابل، انتهت حوادث أخرى بإنقاذ الأطفال. ومن بين الحالات التي وثقها التحقيق، سقوط الطفل عسكر الدياب، البالغ سبع سنوات، في بئر بريف إدلب خلال عام 2024، قبل أن تتمكن فرق الدفاع المدني من إخراجه بعد عملية إنقاذ استمرت نحو أربع ساعات.
كما أنقذت فرق الدفاع المدني طفلاً يبلغ ثلاث سنوات، بعد سقوطه في بئر بعمق 18 متراً في بلدة شمارخ شمالي حلب.
ولا تقتصر الحوادث على الأطفال، إذ وثق التحقيق وفاة شاب يبلغ 18 عاماً بعد سقوطه في بئر بريف إدلب. واستمرت عمليات الإنقاذ قرابة 18 ساعة، قبل انتشال جثمانه من عمق يناهز 56 متراً.
الحرب خلّفت آباراً مكشوفة
يربط التحقيق انتشار الآبار المهجورة والمكشوفة بسنوات الحرب والنزوح وما رافقها من نهب لتجهيزات الآبار الزراعية، ما أدى إلى تحول بعض مصادر المياه إلى مواقع خطرة داخل الأراضي الزراعية.
وفي ناحية قلعة المضيق، وثق فريق “سراج” سرقة 638 بئراً جوفية وسطحية، بعد تجريدها من المضخات والكابلات والمولدات والتجهيزات المعدنية، لتُترك لاحقاً مفتوحة أو مدمرة.
ويشير التحقيق إلى أن هذا الواقع لا يقتصر على الخسائر التي لحقت بالبنية الزراعية، بل يضيف خطراً مباشراً على السكان الذين يتحركون في المناطق المحيطة بهذه الآبار، ولا سيما الأطفال.
التشريع لا يفرض تأمين الآبار الخاصة
وتناول التحقيق الإطار القانوني المنظم للآبار، مشيراً إلى أن القانون رقم 31 لعام 2005، المعروف باسم قانون التشريع المائي، يحدد ضوابط حفر الآبار واستثمارها ومنح تراخيصها.
لكن التحقيق خلص إلى أن القانون لا يتضمن نصوصاً واضحة تلزم أصحاب الآبار، خصوصاً تلك الواقعة ضمن الملكيات الخاصة، بتأمين فتحاتها أو اتخاذ إجراءات تمنع الوصول إليها بصورة غير آمنة.
وتزيد طبيعة بعض الآبار من صعوبة التعامل مع حوادث السقوط فيها. وقال رئيس قسم البحث والإنقاذ في الدفاع المدني التابع لوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، إبراهيم الحسن، إن ضيق أقطار الآبار وغياب التهوية وعمقها الكبير من أبرز العوامل التي تعرقل عمليات الإنقاذ.
وأوضح الحسن أن وصول عمق البئر إلى أكثر من 50 متراً يجعل مهمة فرق الإنقاذ شديدة الصعوبة، خصوصاً في ظل ضيق المساحة داخل هذه الآبار.
إجراءات وقائية للحد من الحوادث
ويرى التحقيق أن جانباً كبيراً من هذه الحوادث يمكن الحد منه من خلال إجراءات وقائية، أبرزها إغلاق فتحات الآبار المهجورة بأغطية معدنية مثبتة أو بصبات إسمنتية، إلى جانب إقامة حواجز ووضع إشارات تحذيرية حول المواقع الخطرة.
واقترح الباحث الجيولوجي ثابت الكسحة تأمين فوهة البئر بغطاء حديدي مثبت بإحكام، مع تركيب قميص معدني يرتفع عن سطح الأرض بما لا يقل عن 50 سنتيمتراً.
وأشار الكسحة أيضاً إلى أهمية قطر البئر في عمليات الإنقاذ، موضحاً أن الآبار التي يتجاوز قطرها 35 سنتيمتراً توفر هامشاً أكبر لعمل فرق الإنقاذ.
ويخلص التحقيق إلى أن عدداً من الآبار التي فقدت وظيفتها كمصادر للمياه والري خلال سنوات الحرب تحولت إلى حفر مكشوفة داخل مناطق زراعية، فيما لا تزال مواقع كثيرة منها من دون معالجة أو وسائل حماية، ما يبقي خطر السقوط قائماً، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال.
اقرأ أيضاً:وقفة احتجاجية أمام مجلس الشعب في دمشق رفضا للغلاء وتدهور الأوضاع المعيشية