قرار “الدرجة الرابعة” في سوريا.. هل يحد من المحسوبيات أم يثير مخاوف بشأن الخصوصية؟
خطوة جديدة ومفاجئة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الإدارية والإعلامية، قرار رسمي أصدره وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، يلزم جميع المديرين في الوزارة والمؤسسات التابعة لها بالإفصاح عن أي صلة قرابة تجمعهم بموظفيهم حتى الدرجة الرابعة، وذلك خلال مهلة لا تتجاوز أسبوعين، وفق ما أكدته وكالة الأنباء السورية “سانا”.
يأتي هذا الإجراء في وقت يواجه فيه ملف الفساد في سوريا تحديات كبيرة، حيث تصنف البلاد في المرتبة 177 عالمياً من أصل 180 دولة على مؤشر مدركات الفساد لعام 2026 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية بنتيجة 13 درجة فقط، وسط مطالب شعبية وإعلامية متواصلة بإصلاح المؤسسات المالية والحد من نفوذ المحسوبيات التي أرهقت القطاع العام لسنوات
بين الحوكمة ومنع تضارب المصالح
يقوم القرار الصادر حديثاً على تشريعات سابقة تُعنى بمنع المحاباة وتضارب المصالح، وفي مقدمتها القرار الحكومي رقم (5/م.و) لعام 2022.
وتشمل المظلة الجديدة قطاعات مالية وسيادية حساسة، مثل الهيئة العامة للضرائب، والمصارف العامة، وهيئتي التأمين والأوراق المالية.
يرى خبراء أن هذه الخطوة تمثل محاولة جادة لتطبيق الشفافية وتفكيك “شبكات النفوذ العائلي” داخل المؤسسات، إذ إن ضبط القرارات الإدارية وحمايتها من العلاقات الأسرية يُعد مدخلاً أساسياً لمكافحة الفساد المالي.
لكن في المقابل، يرى حقوقيون وجود علامة استفهام حول نطاق القرار، فالمرسوم الأساسي الصادر عام 2022 حدد صلة القرابة حتى الدرجة الثانية فقط، بينما توسع تعميم المالية ليصل إلى الدرجة الرابعة (والتي تطال أبناء العمومة والأخوال)، وهو ما يفتح باب التساؤل حول كيفية التعامل مع هذه الحالات عملياً دون إجحاف.


بين الترحيب بالشفافية وتخوفات التطبيق
على الأرض، بين أروقة المؤسسات وفي الشارع السوري، انقسمت الآراء بشكل واضح. المرحبون رأوا في القرار خطوة جرئية تكسر النمط التقليدي للتعيينات القائمة على “الواسطة”، وتتيح الفرصة أمام الكفاءات الحقيقية للاستحقاق الوظيفي.
أما الفريق المتخوف، فتحفظ على آليات التطبيق، إذ يرى بعض الموظفين أن التوسع نحو “الدرجة الرابعة” قد يمس بالخصوصية الشخصية، أو يُستغل في تصفية الحسابات الإدارية ونقل الكفاءات لمجرد وجود صلة قرابة بعيدة مع مسؤول في نفس الجهة.
كما تساءل آخرون عن مدى قدرة اللجان الإدارية المكلفة على حماية سرية هذه البيانات وضمان عدم تحولها إلى أداة للشبهات المجتمعية.
اختبار حقيقي لإرادة الإصلاح
في نهاية المطاف، يضع قرار “الإفصاح عن الأقارب” ملف الإصلاح الإداري في سوريا أمام اختبار حقيقي، فالقرارات والنصوص تبقى محدودة الأثر ما لم تُرافقها حوكمة شاملة تعالج جذور المشكلة.
ويبقى نجاح هذا القرار مرهوناً بمدى الشفافية والعدالة التي ستتعامل بها اللجان المختصة مع البيانات، بعيداً عن الاستثنائية التي طالما شكلت ثغرة في محاولات الإصلاح السابقة.
اقرأ أيضاً:تحديات تُعيق تفعيل الأجهزة الرقابية في سوريا.. بين الفساد والمحسوبيات
اقرأ أيضاً:الشرع في حملة ضد الفساد: إغلاق مكتب شقيقه ومصادرة سيارات الموالين له